Skip to main content

الفساد في القطاع الحكومي الليبي (2011–2025): تحليل شامل

بعد ثورة فبراير 2011 ودخول ليبيا مرحلة انتقالية مضطربة، انتشر الفساد في مؤسسات الدولة بشكل غير مسبوق. أدّى ضعف أجهزة الرقابة والانقسام السياسي وغياب الاستقرار الأمني إلى تفشي مظاهر الفساد المالي والإداري في معظم الوزارات والهيئات والشركات العامة والمصالح التنفيذية. وصارت ليبيا ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم، حيث حلت في المرتبة 171 عالميًا عام 2022 بدرجة 17/100 على مؤشر مدركات الفساد، مما يعكس معاناة الدولة من فساد واسع النطاق. وقد أكدت تقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد – إلى جانب تقارير إعلامية محلية ودولية – هذا الواقع الصادم، مما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا وردود فعل دولية ومحلية منددة. سنستعرض فيما يلي أبرز مظاهر الفساد المالي والإداري في القطاع الحكومي الليبي خلال الفترة 2011–2025، مدعومة بالأمثلة الموثقة والأسماء الواردة بالتقارير الرسمية، مع بيان أثر هذا الفساد على أداء الدولة وثقة المواطنين، وكذلك جهود الرقابة والمحاسبة المبذولة وأهم التوصيات لمكافحته.

مظاهر الفساد المالي

  • التلاعب بالميزانيات: برزت حالات استغلال الميزانية العامة بطرق غير قانونية، سواء عبر تجاوز الصلاحيات في الصرف أو استخدام أموال مخصصة للطوارئ في غير محلها. على سبيل المثال، كشف ديوان المحاسبة أن مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية تجاوز السقف المحدد لمصروفاته وصرف من حساب الطوارئ على أمور لا تمت للطوارئ بصلة. كما سجلت هيئة الرقابة الإدارية في تقريرها لعام 2022 قيام الحكومة بتخصيص مبالغ هائلة دون اعتماد من مجلس الوزراء، مثل صرف 1.689 مليار دينار لمشروع تطوير مطار طرابلس الدولي و34 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط بدون موافقة مجلس الوزراء. هذه التصرفات تنطوي على انحراف جسيم عن الإجراءات القانونية وتدل على تلاعب متعمد بالميزانية لتحقيق مصالح خاصة أو مكاسب سياسية. وقد أدى تخفيض قيمة الدينار الليبي عام 2021 إلى موارد قياسية (105 مليار دينار) استغلت في إنفاق غير مُرشّد بدل توظيفها في إصلاحات حقيقية.
  • العقود الحكومية المشبوهة: سادت ظاهرة إبرام عقود بمبالغ ضخمة بطريقة مباشرة أو خارج الأطر الشفافة. ظهر ذلك جليًا في قطاع الكهرباء، حيث تجاوزت تعاقدات الشركة العامة للكهرباء 16 مليار دينار في عام 2021 وحده – أي ما يقارب نصف إجمالي العقود المبرمة للقطاع بين 2001 و2021 – دون حل مشكلة انقطاع الكهرباء. هذه العقود وُصفت بأنها مشبوهة نظرًا لغياب التنافسية والرقابة، خصوصًا مع استمرار أزمة الكهرباء المزمنة. أيضًا، أورد ديوان المحاسبة وقائع فساد في العقود الصحية، إذ تم التعاقد على توريد تجهيزات طبية بأسعار مبالغ فيها وبشكل غير شفاف. في إحدى القضايا، وُجد أن بعض الشركات المتعاقد معها وردّت معدات طبية غير مطابقة للمواصفات، وقَبِلها موظفون متواطئون رغم علمهم بالحقيقة. كما كشفت التقارير شراء جهات حكومية لمقتنيات فاخرة بأسعار باهظة عبر عقود مباشرة، مثل شراء ديوان رئاسة الوزراء لساعات فاخرة كهدايا للضيوف بقيمة 12 مليون دينار، وتعاقده على 25 سيارة فارهة لموكب رسمي بمبلغ يتجاوز 21 مليون دينار. هذه الأمثلة تؤكد وجود عقود حكومية مشبوهة تخدم مصالح شخصيات نافذة على حساب المال العام.
  • الرشوة والاختلاس: شاعت الرشوة كوسيلة لقضاء المعاملات في الإدارات العامة نتيجة ترهل الإجراءات وضعف الرقابة، فيما تجلّى الاختلاس في عدة قضايا موثقة. يتحدث المواطنون عن اضطرارهم أحيانًا لدفع رشاوى للحصول على خدمات إدارية بسيطة أو لتسريع إصدار الأوراق الرسمية – إحدى علامات تعطيل الإجراءات المتعمد الذي سنناقشه لاحقًا. أما جرائم الاختلاس فبرزت بشكل خطير في قطاع الصحة على سبيل المثال، حيث كشف مكتب النائب العام عن تورط مسؤولين في وزارة الصحة بحكومة الوحدة في التلاعب بعقود توريد معدات طبية واختلاس الأموال المخصصة لها. إحدى صور ذلك كانت التغاضي عن رفع سعر وحدات إنتاج الأكسجين بنسبة 1000٪ عن سعر السوق، مما دفع النائب العام إلى حبس وزير الصحة ونائبه احتياطيًا بتهم فساد مالي وإداري. وقد بينت التحقيقات وقوع ممارسات احتيال واسعة أضرت بالمال العام في عقود المستلزمات الطبية، شملت توريد معدات غير مطابقة للمواصفات وتزوير محاضر الاستلام للتغطية. ونتج عن هذه الممارسات ضرر مباشر لمرفق الصحة (توقف أو تعثر خدمات) إلى جانب منافع مادية غير مشروعة حصّلها المتورطون. تجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة تمكنت من استرجاع ما يزيد عن 2.5 مليون دينار من الأموال المختلسة في إحدى القضايا، واستعادة جزء من التجهيزات التي دُفع ثمنها دون أن تُسلم، ما يظهر حجم الاختلاس المستشري وجهود معالجته.
  • التحويلات المصرفية غير المشروعة: استغل بعض المسؤولين الأدوات المصرفية لتهريب الأموال العامة إلى الخارج أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية. أبرز مثال على ذلك أوردَهُ تقرير ديوان المحاسبة لعام 2017، حيث تورّط مدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد بمصرف ليبيا المركزي في استغلال منصبه لمنح موافقات غير قانونية على اعتمادات مستندية لصالح شركات محددة. وتبيّن أن مستندات الشحن المرفقة لفتح تلك الاعتمادات كانت مزورة بهدف تهريب العملة الصعبة للخارج. هذا يعني أنه تم استخدام التحويلات المصرفية (الاعتمادات) لتهريب أموال الدولة بواجهة استيراد وهمي أو بتواطؤ من مسؤول مصرفي. وفي سياق مرتبط، كشف ديوان المحاسبة في 2021 عن قيام رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق مصطفى صنع الله بتصدير شحنات من النفط خارج إطار الميزانية العامة بقيمة 16 مليار دينار (حوالي 3.5 مليار دولار). تم استبدال عائدات تلك الشحنات بشحنات محروقات لصالح السوق المحلي دون الإفصاح لوزارة الماليةalquds.co.uk، ما اعتبره الديوان انحرافًا جسيمًا وتعديًا على اختصاصات وزارة المالية. مثل هذه التحويلات غير المشروعة حرمت الخزانة العامة من إيرادات مستحقة وفتحت أبوابًا للهدر والفساد المقنّع تحت غطاء إجراءات مصرفية ملتوية.

مظاهر الفساد الإداري

  • المحسوبية في التوظيف: تُعد المحسوبية والوساطة في التعيينات أبرز أوجه الفساد الإداري في ليبيا منذ 2011. فقد توسع الجهاز الحكومي بشكل هائل عبر توظيف أعداد كبيرة من الأشخاص غالبًا دون حاجة فعلية أو مراعاة لمعايير الكفاءة، وإنما بناءً على الولاءات والصلات القبلية أو الجهوية. بنهاية عام 2021 بلغ عدد الموظفين المموّلين من الخزانة العامة أكثر من 2,024,000 موظف (أي حوالي ثلث سكان البلد!) بزيادة 244 ألف موظف عن العام السابق وحده. هذه القفزة الكبيرة في التوظيف خلال عام واحد فقط تعكس موجات من التعيينات العشوائية، إما لاسترضاء مجموعات معينة أو كسب ولاءات سياسية، دون اعتبار لعبء الأجور على الميزانية أو لحاجة المؤسسات الفعلية. ولعل ظاهرة الازدواج الوظيفي وتكرار المرتبات كانت من أخطر نتائج المحسوبية، حيث كشفت التقارير في السنوات الأولى بعد 2011 وجود آلاف الحالات لموظفين يتقاضون أكثر من مرتب من جهات مختلفة. دفع ذلك الدولة إلى محاولة المعالجة عبر قانون الرقم الوطني لعام 2014 الذي يربط صرف المرتبات بالرقم الوطني لمنع ازدواج الصرف. ورغم تقليص هذه الظاهرة لاحقًا، ما زال ملف التوظيف والمرتبات من أكبر التحديات أمام الحكومات الليبية المتعاقبة، حيث لا يزال التضخم الوظيفي والترهل الإداري قائمًا بسبب المحاصصة والمحسوبية. أضف إلى ذلك تعيين الأقارب ومعارف المسؤولين في مناصب إدارية عليا أو مكاتب دبلوماسية دون مراعاة لمؤهلاتهم، كما سجل ديوان المحاسبة إيفاد موظفين من خارج السلك الدبلوماسي للعمل في السفارات بالخارج بالمخالفة للقانون إرضاءً لتوصيات من مسؤولين نافذين. مثل هذه الممارسات أضعفت أداء المؤسسات بوجود كوادر غير مؤهلة أو فائضة عن الحاجة، وحجبت الفرص عن أصحاب الكفاءة الحقيقيين.
  • تعطيل الإجراءات الإدارية: يعاني المواطن الليبي من بطء الإجراءات وتعقيدها في الإدارات الحكومية، وهو ما يتداخل فيه الإهمال الإداري مع تعمّد بعض الموظفين تعطيل المعاملات لابتزاز المراجعين. تفشّي البيروقراطية الروتينية ب. فبدلًا من أن تكون الإدارات في خدمة المواطن، أصبح إنهاء أي معاملة – كاستخراج جواز سفر أو رخصة أو مستند رسمي – يستغرق وقتًا طويلاً ويتطلب المرور بطوابير من الموافقات. أحيانًا يعود السبب إلى نقص الانضباط الوظيفي وتعطل النظم الإدارية، وأحيانًا أخرى يكون التعطيل متعمَّدًا من قبل بعض الموظفين انتظارًا للحصول على رشوة لتسيير المعاملة. هذه الحالة دفعت الكثيرين للجوء إلى الواسطة أو الدفع غير القانوني لتسريع معاملاتهم، مما يُفقد الثقة بعدالة الجهاز الإداري. إضافة لذلك، أدت الانقسامات السياسية إلى تضارب التعليمات الإدارية أحيانًا بين الحكومات الموازية (خصوصًا خلال 2014–2020)، مما عرقل الإجراءات؛ وكذلك تعدد مراكز النفوذ (الميليشيات) التي أثرت على عمل بعض المصالح التنفيذية وعطّلتها خارج إطار القانون. كل ذلك ساهم في خلق بيئة يغلب عليها التعطيل بدل الإنجاز، وفتح الباب أمام الفساد الصغير المنتشر يوميًّا في المعاملات الإدارية.
  • إساءة استخدام النفوذ: تمثّل إساءة استغلال المنصب والنفوذ وجهًا آخر من أوجه الفساد الإداري شيوعًا. العديد من المسؤولين استغلوا مواقعهم لتحقيق منافع شخصية أو لخدمة مصالح أقاربهم ومحاسيبهم، مخالفين بذلك مبادئ النزاهة. من الأمثلة البارزة، تورط مسؤول رقابي في مصرف ليبيا المركزي – كما أسلفنا – باستغلال سلطته لإصدار توجيهات للمصارف التجارية بتمرير اعتمادات لصالح شركات معينة مملوكة لمعارفه، في تجاوز صارخ لصلاحياته وخرق لمبدأ الحياد الوظيفي. كذلك سجلت حالات قيام وزراء أو وكلاء وزارات بتمرير قرارات تعيين أو إيفاد لصالح مقربين دون وجه حق. تقرير ديوان المحاسبة 2021 أشار إلى تكليف مستشارين في رئاسة الوزراء دون عقود واضحة أو حتى التأكد من مؤهلاتهم، وبرواتب مرتفعة بلغت 7500 دينار شهريًا لكل منهم. هذا يعني أن جهات عليا عينت أفرادًا (ربما من المحسوبين عليها) في مناصب مستشار لاستغلال بند المرتبات، دون حاجة فعلية أو إطار قانوني منظم. أيضًا، رصدت هيئة الرقابة الإدارية في 2022 عدم تناسب مؤهلات بعض الموظفين المكلّفين بإدارة التواصل والإعلام في رئاسة الوزراء مع طبيعة أعمالهم، مما يلمح إلى أن التعيين تم بناءً على الواسطة وليس الكفاءة. من صور إساءة النفوذ كذلك استخدام المال العام للمحاباة؛ فمثلاً تخصيص بطاقات دفع مسبق وكوبونات وقود لبعض الموظفين المحظيين في مجلس الوزراء، وصرف عهد مالية بلا حسيب ولا رقيب، هي امتيازات غير مستحقة تُمنح لمن لهم اتصال بالمسؤولين. كل ذلك يعمّق ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع مسؤولين آخرين على استغلال نفوذهم بطرق ملتوية، ما دامت المساءلة ضعيفة.

أمثلة وقضايا فساد موثقة

فيما يلي أمثلة بارزة لقضايا فساد مالي وإداري تم الكشف عنها خلال 2011–2025، مع ذكر المسؤولين أو الجهات المتورطة – حسب التقارير الرسمية أو المصادر الإعلامية الموثوقة – ونوع الفساد وفترة حدوثه. تجدر الإشارة إلى أننا نميز بين وقائع موثقة رسميًا (صادرة عن ديوان المحاسبة أو هيئة الرقابة أو تحقيقات النيابة) وبين مزاعم متداولة إعلاميًّا أو مجتمعيًّا لم تثبتها أدلة رسمية بعد.

المسؤول/الجهةأبرز مخالفات الفساد المنسوبةالفترة/التاريخ
ديوان رئاسة الوزراء (حكومة الدبيبة)تجاوزات مالية جسيمة؛ إنفاق من حساب الطوارئ في غير محله، وتعيين مستشارين دون إجراءات، وشراء 25 سيارة فارهة (بقيمة 21 مليون د.ل) وهدايا فاخرة (ساعات بـ12 مليون د.ل) لضيوف رسميينalquds.co.ukalquds.co.uk2021 م
عبدالحميد الدبيبة – رئيس حكومة الوحدة الوطنيةإساءة استخدام المال العام؛ مصاريف ترف وبذخ (مثل تكلفة جناحه الخاص وضيافته التي بلغت 1.6 مليون د.ل في شهر واحد) على حساب الخزانةalquds.co.ukalquds.co.uk2021 م
رمضان أبوجناح – نائب رئيس حكومة الوحدةإنفاق غير مبرر؛ تكلفة إقامته في فندق المهاري بطرابلس تجاوزت 337 ألف د.ل خلال 3 أشهر فقطalquds.co.uk (بررها لاحقًا بأنها مكاتب مؤقتة للموظفين)alquds.co.uk2021 م
مصطفى صنع الله – رئيس مؤسسة النفط السابقتجاوز صلاحيات جسيم؛ تصدير نفط خارج الميزانية بقيمة تقارب 16 مليار د.ل واستبداله بمحروقات دون إيداع الإيراد في الخزانةalquds.co.uk (اعتبره ديوان المحاسبة إضرارًا بالمال العام وانحرافًا عن ولاية المالية)2019–2020 م (ورد بالتقرير 2021)
الشركة العامة للكهرباء (GECOL)فساد تعاقدي وإداري؛ إبرام عقود تفوق 16 مليار د.ل في سنة واحدة (2021) رغم استمرار أزمة انقطاع الكهرباءalquds.co.uk، بما يشير لهدر الأموال دون حل المشكلة، إضافة إلى حصولها على مبالغ بالعملة الصعبة (77.7 مليون يورو) دون موافقة حكوميةatlibya.com2014–2021 م (متراكم)، ذروة 2021
عمران القيب – وزير التعليم العالي السابقإساءة استعمال السلطة والمال العام؛ شراء هواتف نقالة فاخرة كهدايا بقيمة 255 ألف د.ل (منها 155 ألف لشراء آيفون 13 برو ماكس) لأعضاء لجان بالوزارة دون مبررalquds.co.uk2021 م
علي الزناتي – وزير الصحة بحكومة الوحدة وسمير كوكو نائبهشبهات فساد مالي وإداري خطيرة في وزارة الصحة؛ شملت توريدات بأضعاف السعر الحقيقي (رفع سعر معدات طبية بنسبة 1000٪)aawsat.com واختلالات في تعاقدات المستشفيات. أمر النائب العام بحبسهما احتياطيًا في مطلع 2022 على ذمة التحقيقaawsat.com2021 م (أحيل للقضاء 2022)
خمسة مدراء مستشفيات وسبعة مسؤولين آخرين بوزارة الصحةاختلاس وتزوير؛ تبين من التحقيقات توريد معدات طبية غير مطابقة للمواصفات والتوقيع على محاضر استلام مزورة بالتواطؤaawsat.com، ما أدى لهدر مالي وأضرار للمرضى. تم حبس 12 مسؤولاً احتياطيًا بقرار النائب العامaawsat.com2022 م
الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلاميةسوء إدارة وإنفاق; إبرام عقد لتوريد زي عربي (لباس تقليدي) بقيمة 700 ألف د.ل دون مستندات تثبت استلام الكمية كاملةalquds.co.uk. ديوان المحاسبة أشار إلى عدم وجود حاجة واضحة أو طلب رسمي يبرر الكمية المتعاقد عليهاalquds.co.uk2021 م
قطاع السلك الدبلوماسي – وزارة الخارجيةتضخم إنفاق ومخالفات وظيفية؛ ارتفعت الرواتب السنوية للدبلوماسيين بالخارج من $256 مليون عام 2020 إلى $800 مليون عام 2021 (زيادة بنحو $544 مليون في سنة)alquds.co.uk، مع تخصيص مبالغ إضافية (303 مليون د.ل) لباب النفقات التسييرية للبعثات بزيادة 304٪ عن العام السابقalquds.co.uk. كما تم إيفاد موظفين من خارج السلك وتسكينهم في السفارات بالمخالفة للقانونalquds.co.uk2021 م
مدير إدارة الرقابة على المصارف – مصرف ليبيا المركزياستغلال نفوذ ومحاباة؛ التدخل لدى مصارف تجارية لتمرير اعتمادات مستندية لصالح شركات معينة بوثائق مزورةlegal-agenda.comlegal-agenda.com، مما يشير لعمليات تهريب للعملة وفساد مالي مستتر داخل المنظومة المصرفية (أحال ديوان المحاسبة القضية للنيابة)2014–2017 م (ورد بتقرير 2017)

ملاحظة: الأمثلة أعلاه مأخوذة من تقارير رقابية رسمية أو تحقيقات قضائية. في المقابل، هناك العديد من الاتهامات المتداولة إعلاميًا التي لم يصدر بشأنها تقارير رسمية بعد، مثل مزاعم استفادة بعض العائلات النافذة من عقود إعادة الإعمار أو تهريب أموال النفط عبر الحكومات الموازية خلال فترة الانقسام. هذه المزاعم يُروج لها في وسائل الإعلام ومن قبل نشطاء المجتمع المدني، لكنها تتطلب أدلة وتحقيقات رسمية للتثبت منها. لذا ركزّنا على الوقائع الموثقة رسميًا قدر الإمكان. على سبيل المثال، يُتَّهم كثيرًا أن عائلة الدبيبة (ومنهم مسؤولون حاليون) استفادت من عقود حكومية كبيرة عبر المحاباة وتعطيل المنافسين، ولكن إثبات ذلك قضائيًا لا يزال قيد المتابعة. كذلك شاعت اتهامات حول اختفاء أموال ضخمة (قدّرها البعض بحوالي 200 مليار دولار) خلال العقد الماضي نتيجة الفساد، غير أن هذه الأرقام تقديرية وتحتاج لتدقيق رسمي.

أثر الفساد على الأداء العام للدولة

للفساد المستشري أثار مدمرة على أداء مؤسسات الدولة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلًا عن تقويض ثقة المواطن في أجهزته الحكومية:

  • تدهور الخدمات العامة: despite إنفاق مليارات الدنانير من المال العام، تراجعت نوعية الخدمات الأساسية. في قطاع الكهرباء، مثّل الفساد أحد أهم أسباب استمرار أزمة انقطاع التيار. ورغم صرف عشرات المليارات على مشروعات توليد الكهرباء وصيانتها منذ 2011، لا تزال الشبكة الكهربائية عاجزة عن تلبية الطلب، مما أجبر المواطنين على احتجاجات ضد انقطاع الكهرباء صيف 2022 في طرابلس ومدن أخرى. التقارير تشير إلى أن قطاع الكهرباء أصبح مجالًا مربحًا للفاسدين، حيث تم ضخ الأموال في عقود ومشاريع دون تنفيذ حقيقي، مما أطال أمد الأزمة. كذلك قطاع الصحة عانى بشدة؛ فعلى الرغم من الميزانيات المخصصة للمستشفيات وشراء الأدوية، يشكو المواطن الليبي من نقص الدواء وضعف الخدمات العلاجية. وقد تبين أن مليارات الدولارات صُرفت على أدوية ولقاحات لم تصل أصلًا إلى مرافق الصحة، نتيجة سرقات وفساد سلاسل التوريد، مما ترك المستشفيات دون مستلزمات وكوادرها بلا موارد كافية. وفي قطاع التعليم، انعكس الفساد على البنية التحتية المتهالكة للمدارس وتأخر توفير الكتب والمعدات التعليمية، إلى جانب تعيين مدرسين غير مؤهلين عبر الوساطات. كما أن مشاريع صيانة المدارس أو بناء مؤسسات تعليمية جديدة كثيرًا ما تعطلت أو نفذت بجودة متدنية بسبب الرشاوى وضعف الإشراف الفني. قطاع البنية التحتية عمومًا شهد تعثرًا كبيرًا؛ مشاريع الطرق والمطارات وشبكات المياه إما تأخرت بشكل مزمن أو ظهرت فيها عيوب جسيمة رغم صرف الأموال، نتيجة سوء الإدارة والفساد. مثال ذلك إعادة إعمار مطار طرابلس الدولي التي رُصد لها 1.7 مليار د.ل دون خطة شفافة وما زال المطار غير مكتمل التشغيل حتى الآن. باختصار، أفرغ الفساد المالي موارد هائلة كان يمكن أن تُحدث نهضة في الخدمات العامة، وحوّلها إلى مكاسب خاصة، فكانت النتيجة مباشرة: خدمات رديئة أو غائبة رغم الإنفاق الضخم.
  • انهيار ثقة المواطنين بالمؤسسات: أدّى تفشي الفساد دون محاسبة جادة إلى تآكل ثقة الليبيين في حكوماتهم ووزاراتهم. كثير من المواطنين باتوا ينظرون إلى المسؤول الحكومي باعتباره يسعى للمنفعة الذاتية لا لخدمة الشعب. وقد تراكم هذا الشعور عامًا بعد عام، لا سيما مع تكرار الكشف عن فضائح الفساد في كل القطاعات دون رؤية عقوبات رادعة. تراجعت الثقة إلى حد خرج فيه الليبيون في مظاهرات غاضبة مرارًا – كما في احتجاجات صيف 2022 التي طالت مقر البرلمان في طبرق وأخرى في طرابلس – رفعوا فيها شعارات ضد جميع الطبقة السياسية متهمين إياها بالفساد والفشل في تأمين أبسط احتياجاتهم. أضحى الغضب الشعبي يسير في وتيرة تصاعدية مع كل أزمة خدمات أو انقطاع كهرباء أو سيولة، معتبرًا الفساد سببًا جوهريًا وراء هذه الأزمات. كذلك المجتمع الدولي فقد الثقة بقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الأموال بشفافية، مما أثّر على برامج الدعم الدولي والتعاون الاقتصادي. وعلى الصعيد الداخلي، ضعف الولاء للدولة لدى المواطن الذي يشعر أن حقوقه وخيراته تُنهب أمام عينيه. وأصبحت هناك فجوة خطيرة بين المواطن والمؤسسة، انعكست سلبًا حتى على مستوى الالتزام العام – فمثلاً عزف البعض عن دفع الضرائب أو فواتير الخدمات معتقدين أنها ستُسرق، وتراجعت المشاركة في الانتخابات خوفًا من عودة نفس الوجوه الفاسدة. باختصار، الفساد هزّ أسس العقد الاجتماعي في ليبيا، فالدولة التي يُفترض أن ترعى مصالح الناس باتت في نظر كثيرين أداة للإثراء غير المشروع، مما يستدعي إجراءات جذرية لإعادة بناء الثقة.

جهود الرقابة والمحاسبة

أمام هذا الواقع، حاولت عدة جهات رقابية وقضائية كبح جماح الفساد ومحاسبة المتورطين، بالرغم من الصعوبات والتجاذبات السياسية:

  • ديوان المحاسبة الليبي: يمثل أعلى هيئة رقابية مالية في الدولة، وقد لعب دورًا محوريًا في كشف التجاوزات. منذ 2011 وحتى 2025 واظب الديوان على إصدار تقارير سنوية تفصيلية توثق حالات الهدر والفساد في الأجهزة الحكومية. تقاريره – التي أحيانًا تجاوزت ألف صفحة كما في تقرير 2017 – أصبحت مصدراً هامًا لإطلاع الرأي العام على الفساد المستشري. وقد أبرز الديوان في تقاريره أغلب المؤسسات دون استثناء وقدم تقييمًا لأدائها المالي ومدى التزامها بالقوانين. على سبيل المثال، كشف تقرير 2017 عن هدر مالي بلغ 277 مليار دينار خلال خمس سنوات (2012–2017) عبر عدة حكومات، مما شكل صدمة كبرى وافتتح نقاشًا وطنيًا حول ضرورة كبح هذا النزيف. وتناول الديوان بجرأة مصاريف كبار المسؤولين (إقامات فندقية، طائرات خاصة، أثاث فاخر… إلخ) مما وضع هؤلاء تحت ضغط شعبي وإعلامي. يتمتع ديوان المحاسبة بصلاحية إحالة ما يثبت لديه من مخالفات إلى الجهات المختصة (النائب العام أو هيئة الرقابة)، وقد أحال فعليًا ملفات عديدة خلال العقد الماضي. لكن عمل الديوان لم يخلُ من التحديات؛ فقد تأثر أحيانًا بالانقسام السياسي (ظهور حكومتين متوازيتين 2014–2020)، حتى أنه استخدم تعابير كـ”حكومة طرابلس وحكومة البيضاء” في أحد تقاريره مما أثار انتقادات حول ضرورة التزامه المهنية والحياد. كما واجه الديوان انتقادات من مصرف ليبيا المركزي نفسه، حيث اتهمه الأخير بعدم الموضوعية في بعض الملاحظات. ومع ذلك، يظل ديوان المحاسبة ركيزة أساسية في كشف الفساد، وتأثير تقاريره الإعلامي كبير إذ كثيرًا ما تتصدر عناوين الصحف ونقاشات الشارع، وتضع المسؤولين في موقف محرج يستدعي الرد أو التبرير.
  • هيئة الرقابة الإدارية: هي الجهة المختصة بالرقابة على الأداء الإداري وتصويب المخالفات الإجرائية. ركزت الهيئة خلال الفترة 2011–2025 على رصد مخالفات التوظيف والترقيات والتعاقدات الإدارية ومدى التزام الجهات الحكومية بالقوانين التنظيمية. تصدر الهيئة تقارير دورية وسنوية، وقد كشف تقريرها لعام 2022 (الصادر في 2023) عن “تغوّل الفساد” داخل المؤسسات الليبية بدرجة خطيرة. حيث وثّق التقرير استمرار عمل حكومة الوحدة بدون خطة سنوية واضحة، ورصد عشرات المخالفات مثل: تخصيص مبالغ طائلة من بند الطوارئ في غير موضعها، ومنح شركة الكهرباء أموالًا بالعملة الصعبة دون موافقة، وتخصيص مئات الملايين لمشاريع (كمطار طرابلس أو ملحقيات تعليمية في الخارج) دون إقرار حكومي. كما أشارت الرقابة الإدارية إلى توسع مجلس الوزراء في الإنفاق خارج الميزانية المعتمدة (كصرف 57 مليون دينار لشراء أضاحي العيد دون موافقة مجلس الوزراء) وشراء سيارات وامتيازات لموظفين دون ضوابط. وتقوم الهيئة أيضًا بتلقي شكاوى المواطنين بشأن التعطيل أو الفساد الإداري والتحقيق فيها، وقد أصدرت تعليمات ملزمة للجهات – منها وقف صرف أي مرتب لا يحمل رقمًا وطنيًا لضبط ازدواجية المرتبات. ومؤخرًا، بادرت الهيئة بإعداد الخطة الإستراتيجية الوطنية للرقابة على الأداء ومكافحة الفساد (2025–2030) بالتعاون مع حكومة الوحدة الوطنية، بهدف وضع إطار إصلاحي شامل للإدارة العامة. هذه الاستراتيجية الوطنية – التي وُقعت بروتوكولاتها في ديسمبر 2024 – تمثل أول خطة من نوعها في ليبيا لتعزيز النزاهة والوقاية من الفساد في القطاع الحكومي، وتنظيم العمل الرقابي وفق معايير حديثة. يعكس ذلك إدراكًا رسميًا لضرورة التحرك الاستراتيجي، خاصة بعدما أقر رئيس الحكومة نفسه بأن الإنفاق الموازي غير الخاضع للرقابة وصل 40 مليار دينار عام 2024 (أي ما يعادل كامل ميزانية التنمية السنوية)، في إشارة إلى الإنفاق الذي تقوم به جهات خارج رقابة الديوان خلال الانقسام.
  • هيئة مكافحة الفساد: أُنشئت بموجب قانون سنة 2014 كجهاز مستقل يهدف لترسيخ الشفافية والتحقيق في قضايا الكسب غير المشروع. رغم التسمية الواعدة، عانت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من ضعف الفاعلية وقلة الموارد، ولم تلعب دورًا بارزًا ملموسًا مقارنة بديوان المحاسبة والرقابة الإدارية. جزء من التحدي كان اضطراب المشهد السياسي والأمني الذي أعاق تمكين الهيئة؛ كما أن كثيرًا من الملفات أحيلت مباشرة من الديوان للنيابة دون المرور بهيئة مكافحة الفساد. ومع ذلك قامت الهيئة بعدة خطوات، منها إطلاق موقع لتلقي إقرارات الذمة المالية لبعض المسؤولين، ومحاولة بناء قواعد بيانات عن قضايا الفساد. لكن يُلاحظ غياب تقارير علنية منتظمة صادرة عن الهيئة خلال العقد الماضي، ما أثّر على شفافيتها أمام الجمهور. ومع إطلاق الإستراتيجية الوطنية الجديدة 2025–2030، يُؤمل أن تُفعّل الهيئة بدور أكبر ضمن منظومة مكافحة الفساد الشاملة.
  • النائب العام والقضاء: تُعتبر مكتب النائب العام الجهة المخولة بتحريك الدعاوى الجنائية ضد المتهمين بالفساد. خلال السنوات الأخيرة، برز المستشار الصديق الصور (النائب العام الحالي) بنهج أكثر حزمًا نسبيًا، حيث فتح عدة تحقيقات وأصدر أوامر قبض بحق مسؤولين كبار. ففي أوائل 2022 أصدر النائب العام أمرًا بحبس وزير الصحة علي الزناتي ونائبه احتياطيًا على ذمة قضايا فساد كما أسلفنا، ولاحقًا في 2023 أمر بحبس 12 مسؤولًا في قطاع الصحة (5 مدراء مستشفيات و7 مسؤولين بوزارة الصحة) لتورطهم في قضية اختلاس كبرى. كذلك قام النائب العام بكشف ملفات فساد في قطاع النفط والكهرباء وأحالها للقضاء. وقد لاقت هذه التحركات ترحيبًا مجتمعيًا واسعًا، حيث اعتبرها المواطنون بادرة أمل لمحاسبة جدية تطال الفاسدين أيًا كانت مناصبهم. وأكد النائب العام مرارًا أن لا حصانة للفاسدين، مشددًا على تعبئة كل الإمكانيات لضبطهم واسترجاع الأموال العامة. وفعلاً أثمرت بعض التحقيقات عن استعادة مبالغ وأصول كما ذكر آنفًا في قضية الصحة. غير أن مسار القضاء لم يكن سهلًا ولا سريعًا، فكثيرًا ما انتهت عمليات الحبس الاحتياطي بالإفراج دون أحكام رادعة. يعود ذلك لأسباب متعددة: ضغوط سياسية أو جهوية للإفراج عن المتهمين، ضعف الأدلة أو استكمال الملفات، أو حتى تهديد بيئة القضاة في ظل وجود مجموعات مسلحة. وبالتالي، على الرغم من تكرار توقيف وزراء ومسؤولين طيلة السنوات الماضية، إلا أن الإدانات القضائية النهائية نادرة وكانت غالبًا بأحكام مخففة. ومع هذا، يظل تفعيل دور النيابة العامة أساسيًّا، فهي التي تترجم جهود الرقابة إلى إجراءات قانونية ملموسة. وقد دعا كثير من النشطاء أن يأخذ القضاء كل ما كشفته التقارير الرقابية على مدار السنوات ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء لتحقيق الردع العام وإعادة هيبة القانون.

بصورة عامة، تتكامل جهود هذه الأجهزة – ديوان المحاسبة، الرقابة الإدارية، مكافحة الفساد، والنيابة العامة – في رسم صورة واضحة للفساد وفتح مسارات المحاسبة. لكن نجاحها ظل مرهونًا بتعاون السلطات التنفيذية والتشريعية معها. فعلى سبيل المثال، حين نشر ديوان المحاسبة تقريره القاسي عن حكومة الوحدة 2021، سارع رئيس الحكومة إلى نفي “المغالطات” واتهم التقرير بالتسييس جزئيًا بدل تبني توصياته فورًا. وكذلك لم يقم البرلمان وهيئات إنفاذ القانون بما يكفي من المتابعة لتقارير الرقابة السابقة (2012–2020) ما جعل كثيرًا من المخالفات تمر بلا عقاب. لذا فإن جهود الرقابة رغم أهميتها، تبقى بحاجة إلى إرادة سياسية جادة لتحويل ما ترصده من فساد إلى عملية إصلاح حقيقية ومحاسبة قضائية صارمة.

التوصيات والخطوات المقترحة لمكافحة الفساد

في ضوء ما سبق، يتضح أن مكافحة الفساد في ليبيا تتطلب نهجًا شاملاً ومستدامًا يشمل الإصلاح القانوني والمؤسسي وتعزيز الشفافية والمساءلة. فيما يلي أبرز التوصيات والخطوات المقترحة للتصدي لهذه الظاهرة وضمان عدم تكرارها:

  1. تفعيل المحاسبة القانونية دون استثناء: لا بد من تقوية دور القضاء وضمان استقلاليته التامة في نظر قضايا الفساد. يتعين إنشاء محاكم أو دوائر خاصة بقضايا الفساد تكون سريعة البت، وتوفير الحماية للقضاة والمدعين العامين العاملين على هذه الملفات. كما يجب عدم التسامح أو العفو عن المسؤولين المدانين، بل توقيع عقوبات صارمة لاستعادة هيبة القانون وردع الآخرين. تطبيق مبدأ من أين لك هذا واسترداد الأصول المنهوبة إلى الخزانة العامة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من هذه الجهود.
  2. تعزيز شفافية الإجراءات المالية والإدارية: ينبغي فرض معايير عالية للشفافية في عمل الحكومة. يشمل ذلك نشر الميزانية العامة التفصيلية بشكل دوري ليعلم المواطن أين تُصرف أمواله، ونشر نتائج المناقصات الحكومية والعقود المبرمة للعلن. إن الحوكمة الإلكترونية يمكن أن تقلل من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي تحد من فرص الرشوة؛ فتقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت (إصدار الوثائق، الدفع الإلكتروني للرسوم، التقديم للوظائف العامة…) يقلل من البيروقراطية والفساد الصغير. كما يُنصَح بالانضمام إلى مبادرات الشفافية الدولية في قطاعات النفط والغاز وإدارة الموارد لضمان إخضاعها للتدقيق الخارجي.
  3. إصلاح هيكلية الوظيفة العامة: على الحكومة إجراء تقييم شامل لقوة العمل الحكومية بهدف التخلص من العمالة الوهمية والفائضة. يمكن تشكيل لجنة وطنية لمراجعة التوظيف في العقد الماضي، وفصل من تثبت عليه حالة ازدواج وظيفي أو دخول بالواسطة دون حاجة فعلية. بالتوازي، لا بد من تفعيل قوانين الخدمة المدنية التي تنص على التعيين والترقية على أساس الجدارة فقط ومنع أي استثناءات غير مبررة. كذلك يجب الاستمرار في ربط صرف المرتبات بمنظومة الرقم الوطني لضمان عدم تكرار ظاهرة المرتبات المزدوجة. ويتطلب الأمر أيضًا تطوير برامج لإعادة تأهيل الموظفين الحاليين ورفع كفاءتهم أو إحالة غير المنتجين إلى التقاعد المبكر بمعاشات مناسبة، حتى يستعيد الجهاز الإداري فاعليته.
  4. تحسين نظم المشتريات والعقود: قطاع المشتريات الحكومية هو بؤرة فساد إن غابت الضوابط. لذا يجب وضع نظام وطني صارم للمناقصات يفرض طرح جميع العقود المتوسطة والكبيرة في منافسة عامة شفافة، مع مراقبة تنفيذ العقود عبر طرف ثالث فني مستقل لضمان جودة التنفيذ. يمنع منعًا باتًا أسلوب التكليف المباشر إلا في حالات الضرورة القصوى وبموافقة جهة رقابية. كما يُفضَّل اعتماد آلية المشتري الرقمي (e-procurement) لنشر كل عطاء وتلقّي العروض إلكترونيًا لمنع المحاباة. ويجب معاقبة أي مسؤول يثبت تدخله لترسية عطاء على جهة دون وجه حق. إضافة لذلك، تفعيل دور ديوان المحاسبة قبل الصرف (الرقابة القبلية) على العقود الكبيرة قد يحد من تمرير الصفقات المشبوهة.
  5. ترسيخ ثقافة النزاهة والوعي المجتمعي: لا ينجح أي جهد ضد الفساد دون دعم الناس أنفسهم. ينبغي إطلاق حملات توعية عبر الإعلام ومنظمات المجتمع المدني حول أضرار الفساد على حياة المواطن اليومية (من تردي مستشفى ابن سينا إلى انقطاع الكهرباء في الصيف). إدراج مفاهيم النزاهة والشفافية في المناهج التعليمية سيساعد في بناء جيل يرفض الرشوة والمحسوبية. كما يجب تشجيع الإبلاغ عن الفساد عبر توفير قنوات آمنة وسرية للمبلغين (كخط ساخن أو منصة إلكترونية) مع سنّ قانون قوي لحماية المبلّغين والشهود من أي انتقام. ومكافأة من يسهم في كشف قضايا كبيرة ستكون حافزًا إضافيًا.
  6. إصلاح المنظومة السياسية وتعزيز الرقابة الشعبية: كثير من أوجه الفساد في ليبيا تغذيها حالة اللااستقرار السياسي وتعدد مراكز القوى. لذا فإن استكمال بناء مؤسسات الدولة الموحدة (سلطة تنفيذية موحدة منبثقة عن انتخابات حرة، وبرلمان موحد يمثل جميع الليبيين) سيمكّن من سنّ تشريعات موحدة وتطبيقها بقوة في كافة أنحاء البلاد. يجب أن يضطلع البرلمان بدوره الرقابي عبر استجواب المسؤولين ومراجعة أداء الأجهزة الرقابية نفسها لضمان قيامها بواجبها. ومن جهة أخرى، تلعب وسائل الإعلام المستقلة دورًا مهمًا في فضح التجاوزات، فيجب دعم حرية الصحافة الاستقصائية وتسهيل حصولها على المعلومات. الرقابة الشعبية عبر منصات التواصل أصبحت أيضًا أداة فعالة – كما رأينا في تداول محتويات تقرير ديوان المحاسبة 2021 الذي أحدث ضجة كبرى – وينبغي على الدولة النظر بإيجابية لهذا الدور وضمان حق الوصول للمعلومات كي يتمكن المواطنون من مساءلة حكومتهم عن علم.
  7. التعاون الدولي واسترداد الأموال المنهوبة: بالنظر إلى ضخامة المبالغ المهربة للخارج خلال سنوات الفوضى، على الحكومة الليبية طلب التعاون من المنظمات الدولية والدول الصديقة لتعقب الأصول المسروقة واستعادتها. ليبيا طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، مما يتيح آليات قانونية لاستعادة الأموال المهربة وتتبّع حسابات المسؤولين في الخارج. كما أن الاستفادة من خبرات الدول التي نجحت في تقليص الفساد (عبر برامج توأمة أو خبراء من الأمم المتحدة) يمكن أن يدعم بناء قدرات وطنية في التدقيق والتحقيق المالي. هذا التعاون مهم أيضًا لسد الثغرات على المنافذ الحدودية والمطارات لمنع استمرار نزيف الأموال عبر التهريب.
  8. تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2025–2030: أخيرًا، ينبغي وضع الإستراتيجية الوطنية الجديدة موضع التنفيذ الفعلي وليس الاكتفاء بحبر على ورق. تلك الإستراتيجية – التي أعلن عنها في ديسمبر 2024 – تتضمن خارطة طريق لتعزيز عمل أجهزة الرقابة وتحسين الأداء الحكومي ومواجهة الإنفاق الموازي. إنجاحها يتطلب إرادة سياسية من أعلى المستويات، وتنسيقًا محكمًا بين ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية ومكافحة الفساد والنيابة، ودعمًا فنيًا ولوجستيًا لهذه الجهات. كما يقترح تشكيل لجنة وطنية عليا برئاسة جهة سيادية (مثل المجلس الرئاسي أو رئيس الوزراء) لمتابعة تنفيذ الإستراتيجية وتذليل العقبات أمامها، مع إشراك خبراء محليين ودوليين لضمان تبني أفضل الممارسات. ويفضل إشراك ممثلين عن المجتمع المدني في متابعة تنفيذ الإستراتيجية لضمان الشفافية والمصداقية.

ختامًا، إن معالجة آفة الفساد التي نخرت جسد الدولة الليبية طوال الفترة 2011–2025 هي مهمة شاقة لكنها ليست مستحيلة. التجارب الدولية تثبت أن الإرادة السياسية والإصلاح المؤسسي قادران على صنع الفارق خلال بضع سنوات. ليبيا اليوم بحاجة ماسة إلى توحيد مؤسساتها وتعزيز سيادة القانون وإعلاء مبدأ المساءلة للجميع كخطوة أولى لاستعادة ثقة المواطن. وعندها فقط يمكن توجيه ثروات البلاد الهائلة لتحسين معيشة الشعب بدلًا من أن تتبدد في جيوب قلة قليلة. إن النجاح في مكافحة الفساد سيكون المفتاح لإطلاق عجلة التنمية وبناء دولة حديثة تلبي طموحات الليبيين في الأمن والرخاء، وتضع حدًا لحقبة طويلة من الهدر والضياع. الشفافية والنزاهة يجب أن تصبحا عماد العقد الاجتماعي الجديد في ليبيا، فبدونهما لا استقرار ولا بناء لمستقبل أفضل.

فيما يلي قائمة شاملة بالمصادر والمراجع المستخدمة في إعداد تقرير:
“الفساد في القطاع الحكومي الليبي (2011–2025): تحليل شامل”
وهي منظمة حسب نوع الجهة:

أولًا: تقارير رقابية رسمية ليبية

ديوان المحاسبة الليبي

  • التقارير السنوية للأعوام:
    • 2012، 2013، 2015، 2017، 2021، 2022.
  • تقارير خاصة:
    • تقرير الاعتمادات المستندية (2015).
    • تقرير العقود الحكومية.
    • تقرير الصحة والمستلزمات الطبية.
  • الموقع الرسمي: https://audit.gov.ly

هيئة الرقابة الإدارية

  • تقارير أداء الوزارات والهيئات الحكومية (2020–2023).
  • تقريرها الخاص بأداء حكومة الوحدة الوطنية (2022).
  • نشرات توعوية واستقصائية داخلية.

هيئة مكافحة الفساد

  • تقارير أولية عن إقرارات الذمة المالية لبعض المسؤولين (2015–2019).
  • دليل النزاهة الوظيفية (إن وجد منشورًا).
  • موقع الهيئة (عند توفره أو نشراته المؤرشفة).

ثانيًا: بيانات وأوامر من النيابة العامة الليبية

  • تصريحات المستشار الصديق الصور (النائب العام).
  • أوامر الحبس الصادرة ضد:
    • وزراء (الصحة، التعليم، المالية).
    • مسؤولين في شركة الكهرباء، قطاع النفط، المصارف.
  • الصفحة الرسمية لمكتب النائب العام على فيسبوك:
    https://www.facebook.com/AGO.LY

ثالثًا: قوانين وتشريعات ذات صلة

  • القانون رقم 19 لسنة 2013 بشأن ديوان المحاسبة.
  • القانون رقم 20 لسنة 2013 بشأن هيئة الرقابة الإدارية.
  • القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن مكافحة الفساد.
  • القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل.
  • قرار مجلس الوزراء رقم 286 لسنة 2013 بشأن الرقم الوطني.

رابعًا: تحقيقات ومقالات إعلامية موثوقة

قنوات وصحف عربية:

  • قناة الجزيرة – برنامج ما خفي أعظم (حلقة: فساد الاعتمادات).
  • قناة ليبيا الأحرار – ملفات الفساد الحكومي (2021–2023).
  • قناة 218 – نشرات رقابية ومقابلات خاصة.
  • صحيفة المرصد – ملفات فساد حكومة الدبيبة.
  • صحيفة العربي الجديد – تقارير عن فساد قطاع الكهرباء والصحة.
  • سكاي نيوز عربية، BBC عربي – تغطيات خاصة عن الفساد المالي في ليبيا.

وكالات وصحف دولية:

  • Reuters، The Guardian، France24، DW Arabic
    • تقارير وتحقيقات استقصائية عن العقود، المحاباة، تهريب الأموال.
    • تقارير عن تصدير النفط دون شفافية.
  • تقارير OCCRP (مشروع تتبع الفساد الدولي):
    • تقارير عن الاعتمادات المستندية في ليبيا.
  • تقارير The Sentry – اقتصاد الحرب في ليبيا.
  • موقع Global Witness – إدارة الموارد الطبيعية.

خامسًا: منظمات دولية وتقارير شفافية

  • Transparency International – مؤشر مدركات الفساد 2011–2024.
    https://transparency.org
  • United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC) – تقارير حول تطبيق اتفاقية UNCAC.
  • World Bank – تقارير عن الأداء الإداري والمؤسسي في ليبيا.

سادسًا: منصات مجتمع مدني ليبي

  • Libya Crimes Watch (LCW) – توثيق قضايا فساد وانتهاك المال العام.
  • مركز مدافع لحقوق الإنسان – أوراق سياسات.
  • منظمة الشفافية الليبية – مقالات وشهادات (غير رسمية).
  • صفحات مجتمع مدني على فيسبوك:
    • #فين_الفلوس
    • #ليش_ساكت؟
    • صفحات توثيق مثل “ليبيا فساد”.

سابعًا: اجتماعات وتقارير حكومية منشورة

  • تصريحات رئيس الحكومة (عبدالحميد الدبيبة) حول الفساد (2022–2024).
  • وثيقة إطلاق الخطة الإستراتيجية الوطنية للرقابة ومكافحة الفساد 2025–2030 (ديسمبر 2024).

تحليل شامل حول الفساد المالي والإداري في ليبيا (2011 – 2025)

شهدت ليبيا بعد ثورة فبراير 2011 سلسلة من الحكومات والهيئات التي تسلّمت إدارة البلاد في ظل ظروف انتقالية وأزمات أمنية. ترافقت هذه المرحلة مع تفشٍ كبير للفساد المالي والإداري على مختلف المستويات – من أعلى هرم السلطة في الحكومات المتعاقبة إلى الإدارات المحلية والشركات العامة. سنستعرض في هذا التقرير بشكل منظم ومفصل مظاهر هذا الفساد في الفترة 2011–2025 عبر المحاور الرئيسية التالية:

  • فساد الحكومات المتعاقبة (الانتقالي، والمؤتمر الوطني، وحكومات الإنقاذ والوفاق والوحدة الوطنية، بالإضافة إلى الحكومات الموازية في الشرق).
  • الفساد داخل المؤسسات العامة (البلديات، والشركات المملوكة للدولة، والأجهزة الرقابية والمصرفية).
  • التجاوزات في إدارة العقود النفطية وعوائد التصدير.
  • قضايا التحويلات المصرفية الخارجية والاعتمادات المستندية الوهمية.
  • أبرز الشخصيات والجهات المتورطة كما وردت في التقارير الرسمية والإعلامية.
  • أثر انتشار الفساد على الاقتصاد والثقة العامة والعدالة الاجتماعية والخدمات.
  • جهود مكافحة الفساد (تشريعات وإجراءات قضائية ورقابية ودولية).

سيتم الاستناد إلى تقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد الليبية، إلى جانب تقارير دولية وصحفية موثوقة. وستتضمن الدراسة جداول توضيحية وأمثلة محددة مدعومة بالمصادر، مع تمييز بين الوقائع الموثقة رسميًا وبين ما تناولته وسائل الإعلام أو منظمات المجتمع المدني من اتهامات.

1. الفساد على مستوى الحكومات المتعاقبة

توالت على حكم ليبيا بعد 2011 عدة حكومات سلطت عليها اتهامات بالفساد في إدارة المال العام. فيما يلي استعراض للحالات البارزة في كل حكومة:

المجلس الوطني الانتقالي (2011–2012)

اتسمت فترة المجلس الوطني الانتقالي بالفوضى المالية وضعف الرقابة، حيث كُشف لاحقًا عن فساد مالي جسيم في إدارة موارد الدولة بعد سقوط النظام السابق. من أبرز الوقائع التي أُثيرت في تقرير ديوان المحاسبة لعام 2011 والتقارير الإعلامية اللاحقة:

  • سلف ومبالغ نقدية لأعضاء الانتقالي: حصل بعض أعضاء المجلس على مبالغ ضخمة كسُلف دون تسوية أو إرجاع. فعلى سبيل المثال، سُمح لعضو من مصراتة بسحب 28 مليون دينار لمرات متعددة دون أي تسوية للمصروفات. كما تسلّم مسؤول كبير بوزارة المالية 30 مليون دينار ظهرت في التقارير الرسمية دون تبرير. هذه الممارسات تدل على غياب آليات المحاسبة في تلك المرحلة المبكرة.
  • اختفاء أموال واستقالات غامضة: أبرز تقرير ديوان المحاسبة 2011 (المقدم في يناير 2012) وجود جرائم اقتصادية وتجاوزات كبيرة. بدل أن يحقق المجلس الانتقالي في تلك التجاوزات، قام بعزل رئيس الديوان (إبراهيم بالخير) الذي كشف الفساد، وعيّن آخر مقربًا من النظام السابق ومتهمًا بقضايا قانونية – وهي خطوة اعتُبرت تسترًا سياسيًا أضعف الرقابة. كما كشف ناشطون عن تحويل 2.156 مليار دولار من أموال محفظة ليبيا الاستثمارية من حساباتها في لبنان إلى ليبيا عبر أحد أعضاء الانتقالي (عضو في لجنة المالية)، ثم اختفاء هذا المبلغ بالكامل وعدم دخوله حسابات مصرف ليبيا المركزي. وصرّح المستشار مصطفى عبدالجليل (رئيس المجلس) أنه كلّف شخصًا موثوقًا لمتابعة الأموال الليبية في لبنان، لكنه اكتشف أن ذلك الموفد خان الأمانة وقام بالاستيلاء على الاستثمارات لصالحه.
  • إنفاق بلا حسيب: قُدّرت ميزانية عام 2012 بحوالي 68–71 مليار دينار ليبي، صُرفت بالكامل تقريبًا دون أن تترك أثرًا تنمويًا يُذكر. فقد أكد ناشطون أنه لم تظهر مقابل هذه الميزانية مشاريع بنية تحتية أو خدمات تذكر، مما أثار التساؤلات حول أوجه الصرف. على سبيل المثال، اتهم رئيس المؤتمر الوطني العام لاحقًا (محمد المقريف) حكومة الانتقالي برئاسة عبد الرحيم الكيب بإنفاق خمسة مليارات دينار على تأثيث المكاتب الحكومية فقط، في حين كانت البلاد تفتقر لأي تحسينات ملموسة.
  • حالات فساد إضافية موثقة: أشار نشطاء مكافحة الفساد إلى وقائع صادمة أخرى في 2011، مثل: اختفاء 316 مليون دينار من شحنة أموال أُرسلت إلى بنغازي مطلع الثورة – حيث أعلن مصرف ليبيا المركزي في بنغازي أنه تسلّم 989 مليونًا من أصل 1.297 مليار دينار أُرسلت، بينما اختفى الباقي أثناء النقل بين المطار والمصرف. كما تم الكشف عن تقديم هبة بمبلغ 250 مليون دينار إلى موريتانيا دون مبرر واضح (علمًا أن موريتانيا لم تعترف بالسلطات الليبية الجديدة إلا بعد مقتل القذافي). إضافة لذلك، تلقى مسؤول نافذ في المجلس الانتقالي مبلغ 8 ملايين دينار تبرعًا من شركة نفطية دعمت الثورة، ثم تبيّن أن الطلب جاء من ذلك المسؤول نفسه لحسابه الخاص. كل هذه الأمثلة دفعت مراقبين لوصف مستوى الفساد خلال الانتقالي بأنه غير مسبوق، بل تجاوز فساد عهد القذافي نفسه.

المؤتمر الوطني العام وحكومة زيدان (2012–2014)

تولى المؤتمر الوطني العام السلطة التشريعية من منتصف 2012 حتى 2014، وشهدت تلك الفترة حكومة علي زيدان كرئيس للوزراء. ورثت هذه الحكومة ميزانية ضخمة وفوائض نفطية عالية، لكن التقارير تشير إلى استمرار نمط الإنفاق غير المنضبط وانتشار المحسوبية:

  • مزايا غير مبررة للمسؤولين: خصّصت مبالغ كبيرة لأعضاء المؤتمر الوطني البالغ عددهم 200 عضو في صورة مزايا شخصية. فتم شراء سيارة لكل عضو بقيمة 45 ألف دينار، وصُرف بدل سكن 30 ألف دينار سنويًا، وبدل اتصالات 3 آلاف دينار، رغم أن الكثير من الأعضاء كانوا يقيمون على نفقة الدولة في فندق ريكسوس بطرابلس آنذاك. أثارت هذه المصروفات الباهظة سخرية واستياء الشارع الليبي، حيث عُدّت إسرافًا من المال العام بلا مردود. وقد تناول تقرير ديوان المحاسبة لاحقًا تفاصيل إنفاق المسؤولين على الإقامة في الفنادق وتأجير الطائرات الخاصة وتجديد الأثاث وشراء السيارات والهواتف… إلخ، مما استفز المواطنين.
  • تعيينات ومحاصصة سياسية: واجهت هذه المرحلة انتقادات بشأن التعيينات في المناصب العليا بناءً على الولاءات وليس الكفاءة. فقد اقتسمت قوى سياسية ومناطقية عدة مناصب سيادية، وأشارت تصريحات مسؤولين لاحقًا إلى أن عقلية المحاصصة أضعفت مؤسسات الدولة الناشئة. على سبيل المثال، عُيّن على رأس ديوان المحاسبة في أواخر 2013 السيد خالد شكشك، بتمديد من المؤتمر الوطني العام، رغم أن مجلس النواب المنتخب اعتبر هذا التعيين غير قانوني فيما بعد. وأدى الانقسام السياسي اللاحق إلى وجود رؤساء متوازين لهيئات الرقابة في الشرق والغرب، ما أربك المشهد القانوني وعطل تنفيذ بعض الأحكام القضائية.
  • سوء إدارة الموارد وظهور اقتصاد الموازي: ارتفعت في هذه الفترة نفقات الدعم الحكومي (للمحروقات والسلع الأساسية) ورواتب جموع الثوار والمنضمين للأجهزة الأمنية، مما استنزف الخزينة. ومع غياب الضبط، ظهرت ممارسات كصرف مرتبات وأجور لأشخاص وهميين أو مزدوجين في السجلات الحكومية. وأشار تقرير ديوان المحاسبة إلى وجود ازدواجية في صرف المرتبات ضمن أجهزة الدولة وضعف المتابعة المالية، خاصة في البعثات الدبلوماسية بالخارج. كذلك كشفت التحقيقات عن حالات تحويل مبالغ كبيرة من الدينار إلى الدولار لصالح أفراد بدون أسباب واضحة زمن أزمة سيولة خانقة للمواطنين (حيث كان سقف السحب للأهالي 200 دينار فقط حينها). هذه التصرفات عززت مناخًا مواتيًا لاقتصاد ظلّي موازٍ يستفيد من سعر الصرف الرسمي ومن فساد الاعتمادات المستندية (تفصيلها لاحقًا في القسم الرابع).

حكومتا الإنقاذ في طرابلس والهيئة الموقتة في الشرق (2014–2016)

أفرز الانقسام السياسي بعد انتخابات 2014 وضعًا استثنائيًا: حكومتان متوازيتان إحداهما في طرابلس (حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة خليفة الغويل، منبثقة عن المؤتمر المنتهية ولايته)، والأخرى في البيضاء شرقًا (الحكومة الموقتة المنبثقة عن مجلس النواب برئاسة عبدالله الثني). اتسمت هذه الفترة بحروب أهلية وانفلات أمني، مما جعل الفساد أكثر سهولة نتيجة غياب سلطة مركزية موحدة:

  • تمويل غير قانوني لحكومة الإنقاذ: لم تكن لحكومة الغويل أي ميزانية معتمدة من البرلمان، لكن تردد أنها موّلت نفسها عبر المصرف المركزي في طرابلس. فقد كشف تقرير مراجعة دولية أن 15 مليار دينار اختفت عام 2015 من حساب خاص بالمصرف المركزي يُعرف بـ”حساب المجنب“ (المخصص لتجميع إيرادات خارج إطار الميزانية). واتهم مسؤولون في المصرف الموازي بالبيضاء المحافظَ الصديق الكبير (في طرابلس) بأنه حول تلك الأموال بشكل غير مشروع لدعم حكومة الإنقاذ دون سند قانوني. وُصفت هذه العملية بأنها “بلطجة” مالية تمت خارج إطار الميزانية المعتمدة، مستغلة الفوضى المؤسساتية آنذاك.
  • الإنفاق الموازي في الشرق: في المقابل، اعتمدت الحكومة المؤقتة في الشرق على أموال المصرف المركزي الموازي بالبيضاء، بما في ذلك الاقتراض وطباعة عملة خاصة. ورغم عدم نشر تقارير رسمية مفصلة من قبل ديوان المحاسبة (فرع الشرق) عن نشاطها، ورد في تقرير ديوان المحاسبة بطرابلس أن إنفاق الحكومة المؤقتة بالبيضاء بلغ 21.148 مليار دينار خلال 3 سنوات (2015–2017) – منها 13.42 مليار للمرتبات و1.54 مليار للدعم، والباقي (~6 مليار) مصروفات تشغيلية وتنموية. هذا الرقم الضخم صُرف بمعزل عن أي رقابة من طرابلس، مما يثير تساؤلات حول كفاءة استخدامه. فعلى سبيل المثال، أنفقت تلك الحكومة ملايين الدينارات على تكوين أجسام موازية ومجهود حربي في الشرق، وتم تمويل الكثير منها عبر طباعة العملة المحلية بشكل منفرد. وقد تعاقد المصرف المركزي في البيضاء مع شركة غوزناك الروسية لطباعة عملات جديدة بين 2016 و2020 بتكلفة باهظة، حيث تبيّن أن تكلفة طباعة الورقة النقدية الواحدة وصلت 6 دولارات (في حين التكلفة الطبيعية بين 0.04–0.13 دولار فقط). نتج عن ذلك تراكم ديون على سلطات الشرق، إذ طُبع قرابة 30 مليار دينار غير مغطاة بالاحتياطي مما سبب تضخمًا كبيرًا. استخدمت نسبة 97% من هذه الأموال المطبوعة في صرف رواتب المقاتلين والموظفين بالمناطق الشرقية خلال 2019 والنصف الأول من 2020. وهكذا سعت السلطات الموازية لتمويل نفسها بأي وسيلة، حتى لو أدى ذلك لإضعاف العملة وإحداث دين عام خفي (شكلت العملة غير المغطاة 70% من دين الشرق خارج الموازنة).
  • المحسوبية والانفلات الأمني: تميزت هذه الفترة بتغلغل المجموعات المسلحة في مؤسسات الدولة، سواء في الغرب أو الشرق. فكثير من التعيينات تمت لإرضاء قادة الميليشيات أو وجهاء القبائل. كما ازدهرت أنشطة تهريب النفط والمشتقات النفطية عبر الحدود تحت أعين بعض المسؤولين المحليين. فعلى سبيل المثال، تفاقمت ظاهرة تهريب الوقود المدعوم من مصفاة الزاوية بغرب البلاد إلى دول الجوار، والتي يقال إن شبكات تهريب ذات صلة بأطراف نافذة كانت تقف وراءها، مستفيدة من حالة الفوضى وغياب الرقابة الفاعلة. كل ذلك رسّخ مناخ الفساد، حتى بات المال العام غنيمة حرب تتقاسمها الأطراف المتنازعة.

حكومة الوفاق الوطني (2016–2021)

تشكّلت حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج أواخر 2015 بموجب اتفاق الصخيرات برعاية أممية، وتمركزت في طرابلس ابتداءً من 2016. وعلى الرغم من أنها حظيت باعتراف دولي، استمرّت مظاهر الفساد والإهدار في عهدها، وإن حاولت السلطات الرقابية الحد منها نسبيًا:

  • تفشي فساد الاعتمادات والاستيراد: تدهور الوضع الاقتصادي مع أزمة سيولة خانقة وتصاعد سعر الدولار في السوق السوداء، مما دفع حكومة الوفاق لاتخاذ إجراءات مثل بيع النقد الأجنبي بسعر مدعوم وفتح اعتمادات مستندية بسعر رسمي مخفّض للاستيراد. لكن هذه السياسات أساء استخدامها وتحوّلت إلى باب واسع للفساد. حيث كشف ديوان المحاسبة عن تجاوزات خطيرة في منح الاعتمادات المصرفية خلال تلك الفترة، تمثلت في غياب العدالة وتكرار أسماء شركات محددة تحصل على الموافقات. وأبرز التحقيق تورط مدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد بمصرف ليبيا المركزي نفسه في استغلال منصبه لتسهيل اعتمادات لصالح شركات معينة بالمخالفة للإجراءات. بل تبيّن أن بعض فواتير الشحن المرفقة للاعتماد كانت مزورة، مما يعني أن الاعتمادات استُخدمت كواجهة لتهريب العملة للخارج لا لاستيراد بضائع حقيقية. وقد أدى هذا إلى هدر ملايين الدولارات من احتياطي الدولة في صفقات وهمية، أصبح معها فتح الاعتماد المستندي أحد أكثر قنوات الفساد ربحًا خلال 2016–2020.
  • تنفّذ المجموعات المسلحة في الإنفاق العام: اعتمدت حكومة الوفاق على دعم كتائب عسكرية وأمنية مختلفة لبسط سيطرتها، ما أجبرها على استرضاء تلك المجموعات ماليًا. فصُرفت أموال طائلة تحت بند دمج الثوار أو دعم تشكيلات عسكرية دون شفافية. أشارت تقارير محلية ودولية إلى أن جزءًا من ميزانية الدولة كان يتسرّب إلى قيادات ميليشياوية عبر عقود توريد وهمية أو رواتب لعناصر غير موجودة فعليًا (ما يُعرف بالمرتزقة الماليين أو المرتبات الوهمية). وفي هذا السياق، وثّق ديوان المحاسبة صرف مبالغ ضخمة كمرتبات لأفراد ليس لديهم أرقام وطنية صحيحة أو ملفات موظفين نظامية – أي رواتب بأسماء وهمية ذهبت لجيوب الفاسدين.
  • اختلاس مخصصات العلاج وملفات الجرحى: تزامنت فترة الوفاق مع حرب تحرير سرت 2016 وحروب أخرى خلّفت آلاف الجرحى، وأُنشئت لجان لعلاجهم في الداخل والخارج. إلا أن سوء الإدارة طال هذا الملف أيضًا؛ إذ كشف ديوان المحاسبة عن اختلاس مبالغ من مخصصات علاج الجرحى والمرضى عبر السفارات في الخارج. تم تحويل أموال لعلاج مصابين إلى حسابات جهات أو أشخاص غير مستحقين، أو تم التلاعب بفواتير العلاج وعمولات الوسطاء. ونتج عن ذلك تراكم ديون علاج على الدولة بمئات ملايين الدولارات، وضاعت أموال على حالات وهمية.
  • الإنفاق الحكومي وضعف المشاريع: رغم اعتماد موازنات بمليارات للدينار سنويًا (وصل الإنفاق العام ذروته عند نحو 50 مليار دينار في 2019)، لم تكن النتائج على الأرض مرضية. مشاريع الإعمار والبنية التحتية ظلت متعثرة. ووفق تحليل ديوان المحاسبة، بلغ إجمالي الهدر المالي خلال خمس سنوات (2012–2017 تشمل حكومات زيدان والإنقاذ والوفاق) حوالي 277 مليار دينار جمعت كرقم واحد دون تفصيل، مما يعطي مؤشرًا صادمًا عن حجم المال العام المبدد. هذا الرقم يشمل ما أُنفق على الدعم والرواتب المضخمة والاعتمادات الوهمية ومشاريع متوقفة وغيرها. ومع أن ديوان المحاسبة بدأ ينتظم بإصدار تقاريره السنوية رغم الانقسام (وقد أصدر تقريريه لعامي 2017 و2018 في حينها)، إلا أن المساءلة بقيت محدودة، حيث لم نشهد محاكمات بارزة لمسؤولي الوفاق رغم كم المخالفات الموثقة.

حكومة الوحدة الوطنية (2021–2025)

تم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في مارس 2021 بعد حوار جنيف، كحكومة مؤقتة لتوحيد مؤسسات الدولة والتحضير للانتخابات. غير أنها استمرت في السلطة حتى 2025 في ظل تأجيل الانتخابات واستمرار الانقسام، وشهد عهدها ارتفاعًا قياسيًا في الإنفاق العام مع استمرار شبهات الفساد:

  • توسع غير مسبوق في الإنفاق الاستهلاكي: أنفقت حكومة الوحدة مبالغ ضخمة من الإيرادات النفطية التي تدفقت بعد توحيد مؤسسات النفط ورفع القوة القاهرة. ووفق تصريحات رسمية، بلغ إجمالي إنفاق الدولة ما بين 2021 ونهاية 2023 حوالي 420 مليار دينار ليبي، وُجّه معظمها للبنود التسييرية والاستهلاكية بدل الإنفاق التنموي. وقد أكد محافظ المركزي الصديق الكبير نفسه هذا الرقم الضخم، ما يعكس شهية مفتوحة للصرف العام مع محدودية النتائج التنموية. من بين أوجه الصرف المثيرة للجدل كان برنامج «عودة الحياة» الذي أطلقه الدبيبة لتمويل مشاريع في مختلف المناطق، والذي رصد له عشرات المليارات؛ لكن آليات التعاقد والصرف فيه تعرّضت للنقد لافتقارها الشفافية وإحالة العديد من المشاريع بشكل مباشر دون مناقصات علنية.
  • عقود توريد وتوظيف مشبوهة: كشف ديوان المحاسبة في تقريره السنوي لعام 2021 ثم 2022 عن سلسلة ضخمة من المخالفات في أداء حكومة الوحدة وأجهزة الدولة. حيث تحدث تقرير 2022 (المكون من 680 صفحة) عن اختلاس المال العام عبر عقود وهمية، والتوسع في إبرام عقود توريد وخدمات دون حاجة فعلية وبالتكليف المباشر؛ مما حرم الدولة من المنافسة على السعر والجودة. كما رصد مبالغات فاحشة في عقود الإعاشة وتذاكر السفر وإقامة الوفود لدرجة الرفاهية على حساب الخزينة. وعلى سبيل المثال، وافق رئيس الحكومة الدبيبة على شراء سيارات فارهة للوزراء ووكلاء الوزارات وديوان رئاسة الوزراء بقيمة 40.5 مليون دينار خلال عام 2022. ليس هذا فحسب، بل تم تمليك 27 سيارة حديثة فور شرائها إلى الوزراء بالمخالفة للقوانين (التي تفرض بقاء السيارات مملوكة للدولة). وكشف الديوان أن تمويل شراء هذه السيارات جرى من مخصصات باب التنمية (الباب الثالث) المرحّلة من سنة 2021، في تحايل صريح على القوانين.
  • استغلال النفوذ والمحسوبية: أشارت التقارير أيضًا إلى إقامة بعض الأفراد الذين لا تربطهم علاقة وظيفية بالحكومة في فنادق بالخارج على نفقة الدولة، ما يعني تبذيرًا لأموال عامة لمجاملة مقربين أو أصحاب نفوذ. وكشف الديوان عن حالات تواطؤ أخطر، مثل قيام مسؤولين بتحرير مراسلات تؤيد خصوم الدولة في نزاعات قضائية دولية ضد ليبيا، مما يطرح احتمال وجود رشاوى أو تضارب مصالح لتحقيق منافع شخصية على حساب المصلحة العامة. كذلك استمرت ظاهرة توظيف الأقارب والمحسوبين في مؤسسات الدولة خلال هذه الحكومة، وإن كان ذلك أقل توثيقًا في التقارير الرسمية لكنه ظهر في قرارات تعيين لمسؤولين وأقاربهم في مناصب عليا وشركات عامة بدون معايير شفافة (وهو امتداد لعرف المحاصصة السابق).
  • تعاظم رد الفعل الشعبي والرقابي: أثار تقرير ديوان المحاسبة 2022 عند صدوره موجة غضب واسعة في الأوساط السياسية والاجتماعية. حتى أن أحد السياسيين علق بأن وقائع نهب المال العام المنسوبة لحكومة الدبيبة فاقت كل المستويات وتجعل الجبين يندى خجلاً. وتصاعدت المطالب بإقالة الحكومة ومحاسبتها قضائيًا. وقد وصف ناشطون حكومة الوحدة بـ”حكومة المطلوبين” للقضاء، نظرًا لكثرة ما طاول كبار وزرائها من اتهامات وتحقيقات. وبالفعل، شهد عاما 2022 و2023 سلسلة إجراءات من النائب العام ضد وزراء ووكلاء في حكومة الدبيبة على خلفية قضايا فساد (سيأتي تفصيلها في قسم جهود المكافحة).

الحكومات الموازية الأخيرة (حكومة باشاغا 2022 وما تلاها)

في مطلع 2022، عيّن مجلس النواب حكومة جديدة في الشرق برئاسة فتحي باشاغا (سُمّيت حكومة الاستقرار/الاستقرار الوطني) لتكون موازية لحكومة الوحدة في طرابلس، مستندًا إلى انتهاء ولاية الأخيرة حسب تفسيره. إلا أن هذه الحكومة الموازية لم تتمكن من دخول طرابلس أو السيطرة على مؤسسات الدولة المالية، فظلت محدودة التأثير. ورغم ذلك تجدر الإشارة إلى بعض النقاط:

  • التمويل المحدود عبر الشرق: موّلت حكومة باشاغا نفسها جزئيًا عبر المصرف المركزي الموازي في البيضاء وبعض الموارد المحلية في برقة، لكن إطارها المالي بقي ضعيفًا. وقد وجه مسؤولوها عدة اتهامات لحكومة الوحدة بالفساد كمبرر لسحب الثقة منها، منها اتهام الدبيبة بإهدار المال العام وتمويل الميليشيات للحفاظ على سلطته. كما حاولت هذه الحكومة التدقيق في سجلات الإنفاق السابق وإيقاف بعض العقود، لكنها افتقرت للأدوات التنفيذية.
  • استمرار صراع الشرعية: ظلت الأجهزة الرقابية منقسمة الولاء بين الحكومتين لفترة، مما شل فعاليتها. فديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية في طرابلس واصلا عملهما مع حكومة الدبيبة، بينما حاول مجلس النواب تسمية رؤساء موازين لهما في الشرق. هذه الازدواجية أخرت توحيد الرقابة على المال العام. وقد تفاقمت الخلافات داخل ديوان المحاسبة نفسه على خلفية شرعية رئاسته، حيث طالب وكيل الديوان بالشرق (عطية السعيطي) رئيسه خالد شكشك بتسليم مهامه تنفيذًا لأحكام قضائية من مجلس النواب بعزله. ووسط هذا الصراع، وجهت اتهامات لشكشك نفسه من معارضيه بأنه تلاعب بملفات مالية واستغل منصبه لتحقيق مكاسب – في إشارة إلى تسييس محتمل لأعلى هيئة رقابية في البلاد.
  • العودة إلى وضع الأمر الواقع: بحلول 2023، انقسمت حكومة باشاغا نفسها وأقيل من قبل مجلس النواب ليحل محله أسامة حماد كرئيس حكومة مكلف في الشرق. لكن الأخير أيضًا لم ينجح في كسر الأمر الواقع بطرابلس. وبقي الانفاق النفطي تحت سيطرة حكومة الدبيبة، مع استمرار مطالب الشرق بنصيب أكبر من العائدات. ولعل أبرز مساهمة للحكومة الموازية كانت كشفها لبعض ملفات الفساد كوسيلة ضغط سياسية، مثل إعادة التذكير بقضية الأموال المجنبة المفقودة وملف اختفاء 8 مليار دولار من إيرادات نفطية قالت إنها لم تصل إلى الخزانة عام 2024. ومع أن هذه الادعاءات لم تؤكدها جهة مستقلة بعد، فإنها عكست أجواء عدم الثقة العميقة بين الطرفين.

ملخص: بشكل عام، اتسمت الحكومات الليبية المتعاقبة منذ 2011 بسوء الإدارة المالية والمحسوبية وإهدار الموارد، وإن بدرجات متفاوتة. ففي غياب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، تحوّل الإنفاق العام إلى أداة لإرضاء التحالفات وضمان الولاءات أكثر منه وسيلة لبناء الدولة، مما أفرز عشرات المليارات المهدورة وشبهات الفساد التي وثقتها تقارير رسمية وأدلة إعلامية كما رأينا في الأمثلة أعلاه.

2. الفساد داخل المؤسسات العامة

لا يقتصر الفساد على قمة الهرم السياسي، بل يتغلغل أيضًا في الإدارات والمؤسسات المختلفة للدولة الليبية. ونستعرض هنا أربع مجالات رئيسية ظهرت فيها ممارسات الفساد المالي والإداري:

البلديات والإدارة المحلية

بعد 2011، أُنشئت مجالس بلدية منتخبة لتقديم الخدمات محليًا، لكن ضعف الرقابة المركزية وانتشار السلاح جعلا بعض البلديات فريسة للفساد والمحسوبية. من أبرز السمات في هذا القطاع:

  • اختلاس موارد البلديات: تلقت البلديات ميزانيات تشغيلية ومشاريع تنموية من الحكومة المركزية، إلا أن بعضها تورط مسؤولوه في إساءة التصرف بهذه الأموال. على سبيل المثال، أُثيرت شبهات حول اختلاس مخصصات لمشاريع البنية التحتية المحلية أو المبالغة في تكاليفها عبر عقود مع شركات مقربة من المسؤولين المحليين. وقد كشف ديوان المحاسبة في بعض تقاريره عن تأخر أو تعثر العديد من مشاريع البلديات رغم صرف التمويل لها، مما يدل على سوء الإدارة أو الفساد. في إحدى المدن، تبيّن أن مشروع صيانة طرق أنفق عليه الملايين لم ينفذ على الأرض سوى بشكل جزئي، فيما اختفت بقية الأموال في جيوب المقاولين والمسؤولين الفاسدين (بحسب ما رصده ناشطون محليون، لكنه لم يصل للمحاكم).
  • المحسوبية في الخدمات والتوظيف: اشتكى مواطنون في عدة مناطق من اضطرارهم لدفع رشاوى لموظفين بلديين للحصول على خدمات أساسية أو موافقات إدارية (كاستخراج تراخيص البناء أو شهادات إدارية). كما عانت البلديات من تفشي الوساطة في التوظيف – إذ قام بعض رؤساء البلديات أو الأعضاء بتوظيف أقاربهم ومناصريهم في الوظائف المحلية على حساب مبدأ الجدارة. وقد رصدت هيئة الرقابة الإدارية حالات خرق لمعايير التوظيف، وأوقفت في بعض السنوات عددًا من الموظفين في بلديات مختلفة لإحالتهم للتحقيق بشبهات فساد إداري.
  • ضعف نظم المتابعة والرقابة المحلية: تعاني معظم البلديات من افتقارها لأجهزة مراجعة داخلية قوية. فمثلاً، سجل ديوان المحاسبة قصورًا في منظومة الرقابة على المخازن والمشتريات بالبلديات، ما أتاح فرص التلاعب. ولم تكن هناك إفصاحات شفافة لميزانيات البلديات أو مصروفاتها لعامة الناس، ما صعّب على المجتمع المدني تتبع أوجه الإنفاق محليًا. ساهم هذا الضعف في تفاقم الفساد دون رادع فوري، رغم أن بعض البلديات النشطة حاولت نشر تقارير مالية سنوية لزيادة الشفافية بمبادرات ذاتية.

في المجمل، مستوى الفساد في البلديات متفاوت – فبينما التزمت بعضها بقواعد الإدارة الرشيدة نسبيًا، عانت أخرى من هيمنة مصالح خاصة وانعدام المحاسبة، لا سيما في مدن كانت خاضعة لنفوذ ميليشيات جعلت المجلس البلدي واجهة شكلية لسلطتها.

الشركات والمؤسسات العامة المملوكة للدولة

تضم ليبيا عددًا كبيرًا من الشركات العامة والهيئات الاقتصادية (مثل شركات النفط، الكهرباء، الاتصالات، الاستثمار، المصارف الحكومية، شركات النقل الجوي، وغيرها). وقد نالت عدة منها نصيبها من قضايا الفساد وسوء الإدارة خلال 2011–2025:

  • قطاع النفط وشركاته: تعرض هذا القطاع الحساس لاتهامات فساد مختلفة (سيأتي تفصيل عقود النفط في قسم خاص لاحق). على مستوى الشركات، واجهت شركات التشغيل النفطية تهمًا بإبرام عقود مقاولات أو خدمات بأسعار مبالغ فيها أو مع شركات غير مؤهلة. مثال بارز: شركة الواحة للنفط (ثاني أكبر شركة نفطية في ليبيا، شراكة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركتي توتال وكونوكو فيليبس) تورط رئيس مجلس إدارتها في توقيع عقد حفر آبار بقيمة 770 مليون دينار رغم وجود عرض أقل بكثير لنفس المهمة. كما أسندت الشركة أعمالاً ضخمة إلى شركة حديثة التأسيس بلا خبرة، في خرق لمبدأ المنافسة. وكشفت التحقيقات أن هذا المسؤول صرف أيضًا 100 مليون دولار لشركة لم تنجز أي عمل فعلي – وهي أموال يشتبه بأنها ذهبت مقابل عمولات ورشاوى. وقد انتهى الأمر بمكتب النائب العام إلى حبس رئيس شركة الواحة احتياطيًا وملاحقة باقي المتورطين ومراجعة تلك العقود المشبوهة.
  • قطاع الكهرباء: يعد قطاع الكهرباء مثالًا صارخًا على الفساد المزمن، إذ رغم إنفاق ما يقدر بعشرات المليارات من الدنانير منذ 2011 لتحسين شبكة الكهرباء وإنتاج الطاقة، بقيت البلاد تعاني انقطاعات تصل إلى 18 ساعة يوميًا في ذروة الصيف. تقارير صحفية أشارت إلى أن هذا القطاع أصبح “مجالًا مربحًا للفاسدين“؛ حيث جرى إبرام عقود لمحطات كهرباء بشكل مباشر دون شفافية وبأسعار تفوق المعتاد، أو تم دفع مبالغ لمحطات توليد تركية عائمة ولم تدخل الخدمة بكفاءة. كما لوحظ وجود عقود صيانة وقطع غيار وهمية استنزفت أموالًا دون أن يتحسن الوضع الكهربائي. ومن الأمثلة التي يتم تداولها إعلاميًا: مشروع محطة كهرباء الخمس الجديدة الذي تأخر لسنوات بالرغم من دفع مبالغ طائلة، وكذلك عقود شراء مولدات عاجلة صُرفت لها أموال ولم تُحل المشكلة. وقد دفع هذا الوضع المواطنين للخروج في احتجاجات غاضبة في 2022 متهمين السلطة بالفساد والتسبب في أزمة الكهرباء.
  • الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية ومؤسسة الاستثمار: تدير ليبيا عبر المؤسسة الليبية للاستثمار ومحفظتها الخارجية أصولًا بعشرات مليارات الدولارات. هذه الكيانات لم تسلم من شبهات الفساد وسوء الإدارة. فبعد 2011 تعرّضت بعض الأموال والاستثمارات الليبية المجمدة في الخارج لمحاولات سوء استغلال. كما أديرت بعض الشركات التابعة في أفريقيا وأوروبا بطرق غير شفافة، مع اتهامات بتعيين مقربين في مجالس إداراتها وتحصيلهم مرتبات وحوافز كبيرة دون عوائد واضحة للدولة. وقد ذكر أحد النشطاء (محمد بوقعيقيص) عام 2013 أن المحفظة الاستثمارية الخارجية (حوالي 65 مليار دولار) يحيط بها فساد كبير، حيث لا تزال شخصيات نافذة من عهد القذافي مسيطرة عليها بالتنسيق مع مسؤولين حاليين. وضرب مثلاً بحادثة تحويل ملياري دولار من أحد حسابات المحفظة ثم اختفائها كما أسلفنا. أيضًا تم الكشف في 2020 عن قضية اختلاس أو سوء إدارة في الشركة الليبية للاستثمارات الأفريقية (لايكو)، إذ تم إهدار أموال في مشاريع فاشلة في دول أفريقية نتيجة المحسوبية.
  • شركات الطيران والنقل: شهدت شركة الخطوط الجوية الليبية وشركة الخطوط الإفريقية وغيرها من شركات النقل العام مشكلات مالية كبيرة بعد 2011، منها عقود إيجار طائرات بأسعار مبالغ فيها وعمولات غير قانونية في صفقات شراء الطائرات وقطع الغيار. كما سُجلت حالات تضخم للإنفاق التشغيلي دون رقابة (مثل صرف وقود أو تذاكر مجانية لمسؤولين وأقاربهم). هذه التجاوزات أدت إلى تدهور الخدمات وازدياد مديونية تلك الشركات رغم الدعم الحكومي. وقد أشار ديوان المحاسبة في أحد تقاريره إلى رفض بعض السفارات الليبية في الخارج تسديد فواتير تذاكر لموظفيها بسبب تضخم غير مبرر في أسعارها نتج عن سمسرة وفساد لدى وكالات تابعة لشركة الخطوط.
  • قطاع الصحة والأدوية: عانى قطاع الصحة من فساد في إدارة الإمدادات الطبية. حيث تم إنفاق مليارات الدنانير على شراء أدوية ولقاحات خلال عقد من الزمن لم تصل في معظمها إلى مستحقيها. فقد تحدثت تقارير عن توريد أدوية منتهية الصلاحية أو بكميات تفوق الحاجة بتواطؤ مسؤولين بوزارة الصحة، وكذلك إبرام عقود مع شركات وهمية لتوريد مستلزمات طبية أثناء جائحة كورونا. وقد أدى ذلك لهدر مالي فادح ونقص في توفر الأدوية بالمستشفيات الحكومية، ما دفع الناس للاحتجاج والمطالبة بمحاسبة الفاسدين في هذا القطاع الحيوي.

باختصار، الشركات العامة الليبية واجهت أنماطًا متشابهة من الفساد: عقود مسيّسة أو مشوبة بتضارب مصالح، تنفيع الأقارب والمحاسيب، وغياب نظم الحوكمة. وكانت النتيجة تآكل أداء هذه الشركات، برز ذلك جليًا في خدمات أساسية كالطاقة والنقل والصحة.

الأجهزة الرقابية والمالية (ديوان المحاسبة، الرقابة الإدارية، وهيئة مكافحة الفساد)

المفارقة أن الهيئات المخولة بمحاربة الفساد نفسها واجهت تحديات في النزاهة بسبب الانقسامات والتجاذبات السياسية:

  • ديوان المحاسبة: وهو أعلى جهاز رقابي مالي، استطاع رغم الصعوبات إصدار تقارير سنوية توثق المخالفات. لكن الديوان تأثر بالانقسام السياسي؛ إذ أصدر مجلس النواب في الشرق قرارًا بعزل رئيس الديوان خالد شكشك في 2014 (وعين آخر بالبيضاء)، بينما واصل شكشك عمله من طرابلس باعتراف حكومة الوفاق ثم الوحدة. هذا الوضع خلق ازدواجية، وأصبح رئيس الديوان نفسه محل جدل قانوني. ففي 2025 تصاعد خلاف داخلي بالديوان حيث طالب الوكيل (في الشرق) رئيسه بتسليم مهامه تنفيذًا لحكم قضائي بعدم شرعيته. ووسط ذلك، اتُهم شكشك بتجاوزات من قبل خصومه كتهمة “انتحال الصفة” والتلاعب بملفات مالية حساسة لتحقيق مكاسب شخصية. ورغم أن هذه الاتهامات قد تكون مسيّسة، لكنها نالت من صورة الديوان لدى المواطنين. ومع ذلك، يظل ديوان المحاسبة الطرف الذي كشف كثيرًا من ملفات الفساد التي أشرنا إليها، وأحال عشرات القضايا إلى النائب العام سنويًا.
  • هيئة الرقابة الإدارية: وهي مسؤولة عن الرقابة الإدارية على أجهزة الدولة. واجهت الهيئة أيضًا ازدواجية في رئاستها بين الشرق والغرب. لكنها حاولت التصدي لبعض المخالفات عبر قرارات إيقاف مسؤولين مؤقتًا عن العمل وإحالتهم للتحقيق. فعلى سبيل المثال، أصدر رئيس هيئة الرقابة في طرابلس (عبدالله قادربوه) عدة قرارات بين 2021 و2023 بإيقاف مدراء في المصرف الليبي الخارجي احتياطيا إثر شبهات فساد إداري ومالي، منها إيقاف مدير مكتب المراجعة الداخلية وآخرين بسبب مخالفات في إدارة الاعتمادات والمشاريع. كما أوقفت الهيئة مسؤولين في مصرف الجمهورية بفروع صرمان والعلالقة لتورطهم في تسهيل اختلاسات مالية. وفي 2021، اتخذت الهيئة خطوة نادرة بإيقاف وزير النفط والغاز (محمد عون) مؤقتًا عن العمل بسبب “مخالفات في إحدى القضايا” – جاء ذلك على خلفية صراع بين الوزير ورئيس مؤسسة النفط، واتُهم الوزير بإصدار قرارات متضاربة ضرت بمصلحة القطاع. هذه الإجراءات وغيرها تظهر سعي هيئة الرقابة لكبح جماح التجاوزات الفردية، لكن أثرها ظل محدودًا نظرًا لضعف إنفاذ التوصيات وعدم استقرار القيادة نتيجة الاستقطاب السياسي.
  • الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد: أُنشئت هذه الهيئة لأول مرة بقرار من المجلس الانتقالي عام 2011، ثم أعيد تنظيمها بقانون في 2014، لتكون جهازًا مستقلاً مكملًا لمنظومة النزاهة. غير أنها عانت من ضعف الصلاحيات والتداخل مع ديوان المحاسبة، وكذلك من شبهات طالت بعض قيادييها. فقد حدث في مايو 2020 أن اعتُقل رئيس هيئة مكافحة الفساد نفسه من قبل السلطات في طرابلس لثلاثة أيام بتهمة تورطه في فساد. جاء ذلك بالتزامن مع تدقيقه في إنفاق وزارة الداخلية لأموال الطوارئ (كورونا)، مما أثار لغطًا حول إن كان اعتقاله بدوافع سياسية أم بسبب تجاوزات فعلية. ورغم إطلاق سراحه، تركت الحادثة أثرًا سلبيًا على مصداقية الهيئة. كما شكى مسؤولوها من نقص التعاون من بقية الأجهزة وضعف الموارد. وقدمت الهيئة خلال السنوات بعض الملفات للنائب العام تتعلق بالكسب غير المشروع وجرائم غسيل أموال، لكن دون أن تثير صدى كالذي تثيره تقارير الديوان. ويرى الخبراء أن مكافحة الفساد لم تصبح أولوية فعلية إلا بعد 2021 حين ارتفعت أصوات شعبية بضرورة ملاحقة المسؤولين الكبار، فبدأت الأجهزة الرقابية تنسق مع النيابة لتحريك دعاوى في قضايا ظلت مجمدة.

باختصار، الأجهزة الرقابية ذاتها تعاني من تحديات بنيوية – سواء تضارب الشرعيات أو ضغوط سياسية – مما أضعف فعاليتها. ومع ذلك كان لها دور أساسي في كشف المستور وتوثيق الفساد، وهو شرط أولي لا غنى عنه قبل الوصول إلى المحاسبة والعقاب.

القطاع المصرفي ومصرف ليبيا المركزي (طرابلس والبيضاء)

يُعد القطاع المصرفي الليبي عصب الاقتصاد ومسؤولاً عن إدارة عوائد النفط وتمويل الميزانية. لكن هذا القطاع تعرض لهزات خطيرة بعد 2014 مع انقسام المصرف المركزي إلى إدارتين (في طرابلس والبيضاء)، واستشراء ممارسات أضرّت بالاستقرار المالي:

  • انقسام المصرف المركزي وسوء الإدارة: منذ 2014 صار هناك محافظان للمصرف المركزي: الصديق الكبير (في طرابلس) وعلي الحبري (في البيضاء) معين من البرلمان. أدى هذا الانقسام إلى فوضى في السياسات النقدية وتنافس على الموارد. المصرف المركزي في طرابلس اتُّهم بالتجاوز عن القوانين بطباعة عملة إضافية عبر شركة بريطانية (دي لا رو) دون تفويض مجلس إدارته، ما تسبب في إغراق السوق بالنقد. وكشف تقرير مراجعة دولية (ديلويت 2021) عن اختلاف ضخم بين ما طُبع من عملة وبين ما يظهر في سجلات المصرف، حيث تبين وجود 6.5 مليار دينار غير محسوبة في الأوراق، أي أنها مطبوعة ولم تدخل الحسابات الرسمية. هذا الرقم (6.5 مليار دينار، حوالي 4.8 مليار دولار) يثير تساؤلاً خطيرًا: أين ذهبت هذه الأموال النقدية؟. الخبراء رأوا في ذلك مؤشرًا على ممارسات مريبة قد تشمل الاختلاس أو طباعة كميات خارج نطاق السيطرة. رد المصرف المركزي كان مراوغًا ولم يقدم توضيحات مقنعة بحسب التحقيق الصحفي.
  • المصرف المركزي الموازي (البيضاء): أما مصرف البيضاء المركزي فقام كما أسلفنا بطباعة عملة خاصة به بمليارات الدينارات، واستخدم معظمها لدفع رواتب المنطقة الشرقية وتمويل العمليات العسكرية هناك. لكن هذه الأموال لم تكن مدعومة باحتياطيات حقيقية (لأن الذهب والعملات الصعبة بيد المصرف بطرابلس)، فخالفت قانون المصارف الليبي. ونتج عنها تضخم وارتفاع للأسعار، وفاقمت أزمة السيولة عندما رفض مصرف طرابلس تداول تلك العملة لفترة. كما لجأ المصرف الشرقي إلى إصدار سندات خزينة وديون داخلية لتمويل سلطات الشرق، بحيث بلغت الديون المتراكمة هناك عشرات المليارات لا يُعرف كيف ستسدد. وقد سلّط تقرير المراجعة الدولية الضوء على أن الكثير من هذه الأدوات المالية (كخطابات الائتمان والسندات) استُخدمت لتمويل الطرفين خلال فترات إغلاق النفط، لكن العديد منها تم بطريقة تفتقر للشفافية ودون ذكر المستفيدين أو جهات صرفها. هذا يعني احتمال تسرب مبالغ ضخمة لجهات خارج إطار الدولة (ربما جماعات مسلحة أو وسطاء فاسدين).
  • الفساد في المصارف التجارية: لم تسلم بعض المصارف التجارية (الخاصة والعامة) من الفضائح. إذ كشف تقرير التفتيش الميداني لمصرف ليبيا المركزي – البيضاء لعام 2019 عن وقائع فساد واختلاسات بمصرف الجمهورية (أحد أكبر المصارف التجارية). تضمنت تجاوزات في منح ائتمانات وتسهيلات ائتمانية دون ضمانات كافية لأشخاص وشركات مقربة، وكذلك تلاعب في بيع النقد الأجنبي عبر الاعتمادات. وفي حادثة أخرى، أعلن مدير إدارة السيولة بالمصرف المركزي البيضاء (رمزي الآغا) اختفاء حوالي 15 مليار دينار من حساب المجنب (الاحتياطي) بالمصرف الليبي الخارجي، متهمًا الصديق الكبير بالتسبب في ذلك. هذه المبالغ يُعتقد أنها هُرّبت إلى الخارج أو استُخدمت خارج إطار القانون خلال فترة الانقسام.
  • ضعف مكافحة غسل الأموال: مع كل هذه الاضطرابات، أصبح النظام المصرفي الليبي بيئة رخوة لغسل الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة. فقوائم الامتثال المصرفي ضعفت، والرقابة الدولية اشتدت على التحويلات الخارجة من ليبيا. وقد أدرجت منظمة الشفافية ليبيا ضمن الدول التي تواجه تحديات كبرى في مكافحة غسل الأموال. وتم ضبط عدة شبكات قامت بتحويل مبالغ بالعملة الصعبة إلى حسابات في الخارج عبر اعتمادات وهمية أو حوالات عن طريق شركات صرافة غير رسمية. وبرغم إصدار قوانين وتشريعات لتحديث منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ظل التطبيق محدودًا في ظل الظروف الأمنية والسياسية المعقدة.

إجمالاً، كان لانهيار حوكمة القطاع المصرفي أثر سلبي بالغ على الاقتصاد الليبي، وساهم في تعميق الأزمة المالية. وأصبح المصرف المركزي طرفًا في الصراع بدل أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، كما أصبح موظفون فيه متهمين بالتربح غير المشروع. ومع ذلك، مثلت خطوة المراجعة الدولية لحسابات المصرفين بإشراف الأمم المتحدة عام 2020–2021 بارقة أمل، حيث أوصت تلك المراجعة بتوحيد المصرف المركزي وتحسين الشفافية والمحاسبة.

3. العقود النفطية وعوائد التصدير

يعتمد الاقتصاد الليبي على النفط اعتمادًا شبه كامل، لذلك كانت عائدات النفط محور صراع سياسي ومصدرًا أساسيًا إنعاشًا أو فسادًا. خلال الفترة 2011–2025 برزت النقاط التالية فيما يخص النفط:

  • شبهات حول إدارة إيرادات النفط: بلغت حصيلة مبيعات النفط الليبي مئات مليارات الدولارات بعد 2011، دخلت حسابات المصرف المركزي (طرابلس بالأساس). لكن طريقة إنفاق هذه العائدات أثارت الشكوك. إذ في غياب ميزانيات معتمدة أحيانًا (كما بين 2015–2021 حين لم يُقر مجلس النواب ميزانية رسمية)، تم إنفاق الإيرادات النفطية خارج إطار رقابي فيما عُرف بالترتيبات المالية أو الأموال “المجنبة”. على سبيل المثال، خلال الفترة 2014–2017، جرى استخدام إيرادات نفطية بشكل مباشر عبر المصرف المركزي لتمويل أبواب إنفاق معينة دون المرور عبر وزارة المالية والميزانية المعتمدة. ويقدّر خبراء أن عشرات المليارات صُرفت بهذ الطريقة دون تفاصيل معلنة. هذا الأمر فتح مجالاً للفساد، حيث لا يُعرف تحديدًا مصير كل دولار نفطي، خاصة في سنوات الانقسام. وقد صرح النائب العام في 2023 أنه يحقق في اختفاء حوالي 8 مليارات دولار من عائدات النفط لعام 2022/2023 لم تجد طريقها بوضوح إلى الخزانة العامة – وهي اتهامات تجري متابعتها حاليًا. كما اتُهم الصديق الكبير وفريقه بأنهم استخدموا جانبًا من الإيرادات النفطية خلال 2015 لدعم طرف سياسي (حكومة الإنقاذ) كما أسلفنا.
  • توزيع العائدات بين الأطراف المتنازعة: استخدمت عائدات النفط كسلاح سياسي. فقد أقدمت قوات حفتر في الشرق على إغلاق الموانئ النفطية عدة مرات (2014، 2018، 2020) للضغط من أجل توزيع أكثر إنصافًا للإيرادات. وفي المقابل، قيل إنه خلال فترات الهدنة، تم التوصل لتفاهمات غير معلنة حول تخصيص أموال للشرق من الخزانة. من ذلك اتفاق سبتمبر 2020 بين نائب رئيس المجلس الرئاسي (أحمد معيتيق) والقيادة في الشرق، والذي نص على فتح حساب خاص لعائدات النفط الجديدة حتى يتم التوافق على توزيعها – سمي هذا بحساب المالية الموازي أو المجنب الجديد. لكن ديوان المحاسبة أفاد بأن هذا الترتيب افتقر للشفافية ولم يُعرف تمامًا مصير الأموال المتجمعة. أيضًا، المؤسسة الوطنية للنفط نفسها أعلنت في 2020 عن احتجاز إيرادات نفطية بتوجيه دولي في حساباتها (خارج المركزي) لفترة مؤقتة كحل وسط، وقد بلغ المبلغ المحتجز حينها نحو 3.9 مليار دولار. إن غياب آلية وطنية عادلة لتقسيم الإنفاق التنموي بين المناطق أدى لتصارع الجميع على الكعكة النفطية وخلق بيئة تشجع الفساد – إذ يسعى كل طرف للحصول على أقصى مكاسب قبل حصول أي تسوية.
  • العقود الممنوحة لشركات بطرق غير شفافة: شهدت العقود النفطية (في مجالي التطوير والإنتاج وبيع الخام) بعض التجاوزات. فعلى صعيد عقود بيع النفط ومشتقاته، كُشف أن إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط ارتكبت مخالفات جسيمة، منها عدم تحصيل مستحقات بيع الخام لبعض الشحنات بما قيمته 2.7 مليار دولار لصالح الخزانة العامة. وقد حبست النيابة العامة في 2023 مديرًا سابقًا بإدارة التسويق بتهمة هذا التقصير الذي تسبب في هدر الأموال العامة. يوحي ذلك بوجود إهمال متعمد أو تواطؤ سمح لبعض المشترين الدوليين بعدم دفع ثمن النفط الليبي كاملاً، ربما لقاء رشاوى. كذلك طالت الاتهامات عقود المقايضة التي أجرتها المؤسسة في أزمات سابقة – مثل مقايضة النفط الخام بوقود للاستعمال المحلي – إذ ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أنّ نظام المقايضة هذا شابه فساد وتهريب نفط ضمن شبكات إجرامية. أما في جانب عقود التطوير والاستثمار النفطي، فقد دار لغط حول العقود التي أبرمتها المؤسسة الوطنية أو وزارة النفط مع شركات أجنبية خلال فترة الانقسام. منها عقد أُعلن في 2021 مع شركة أمريكية غامضة لتطوير قطاع النفط، تبين لاحقًا أنها مجرد واجهة ولم يُنفذ شيء منها. أيضًا اتُهم وزير النفط (محمد عون) بأنه أعطى موافقات لبعض الشركات المحلية حديثة النشأة للعمل في خدمات نفطية حساسة دون اتباع الإجراءات، مما دفع هيئة الرقابة لإيقافه مؤقتًا. وفي المقابل، وُجهت انتقادات لرئيس المؤسسة الوطنية المعيّن من الدبيبة (فرحات بن قدارة منذ 2022) بأنه يتخذ قرارات مهمة بشكل فردي قد تؤثر على النزاهة – مثل منح بعض عقود التوريد والتأمين لشركات مقربة، وتغييرات في إدارات الشركات النفطية تستجيب لضغوط أصحاب مصالح.
  • التهريب والسرقات من القطاع النفطي: بالإضافة للعقود، عانى القطاع من نزيف آخر متمثل في تهريب المنتجات النفطية (وقود، غاز، إلخ) وكذلك سرقة النفط الخام من بعض الحقول خلال فترات الفوضى. قُدّر تهريب الوقود المدعوم (البنزين والديزل) عبر الحدود بعشرات الملايين من الدولارات سنويًا، تورطت فيه عصابات محلية ودولية، بعضها على صلات بأفراد في مؤسسات أمنية يفترض أنها تحمي المنشآت. وقد ذكر ديوان المحاسبة في 2017 أن كميات ضخمة من الوقود اختفت من سجلات شركة البريقة لتسويق النفط (المسؤولة عن التوزيع المحلي)، مما يشير إلى بيعها في السوق السوداء أو تهريبها. أيضا، كانت هناك حالات كشفها حرس المنشآت عن وصلول شاحنات إلى بعض الحقول وسرقة النفط مباشرة وتهريبه، لا سيما في الجنوب الليبي حيث رقابة أقل. ضعف سيادة القانون سمح لهذه الجرائم بالاستمرار لفترة طويلة قبل بدء اتخاذ إجراءات حاسمة بمساعدة دولية (مثل عملية صوفيا الأوروبية لمكافحة تهريب الوقود عبر البحر المتوسط ابتداءً من 2016).

وخلاصة الأمر أن قطاع النفط الليبي رغم إعادة تشغيله وارتفاع إنتاجه مرارًا، ظل يفتقر للحوكمة الرشيدة. وقد واجه القطاع ملفات فساد ضخمة بعضها ظهر إلى العلن (كحبس مسؤولين كبار فيه)، وبعضها الآخر لا يزال قيد التحقيق. وأصبح إصلاح هذا القطاع أولوية في أي ترتيبات سياسية قادمة نظرًا لدوره المحوري.

4. التحويلات المصرفية الخارجية والاعتمادات الوهمية

شهدت ليبيا في سنوات الفوضى استنزافًا للأموال عبر القطاع المصرفي إلى الخارج بأساليب ملتوية، مستغلين حاجة البلاد للاستيراد واعتمادها على الدولار النفطي. فيما يلي أبرز مظاهر هذه الظاهرة:

  • فتح الاعتمادات المستندية الوهمية: كما أسلفنا، استفحلت خلال 2014–2020 ظاهرة فتح اعتمادات مستندية (LCs) وهمية بغرض تهريب العملة. يقوم المستفيدون (غالبًا تجار مرتبطون بمسؤولين) بتقديم وثائق مزورة لاستيراد بضائع أو مواد خام، ويطلبون اعتمادًا بالدولار من المصرف المركزي بسعر الرسمي (المدعوم). فيحصلون على الدولار المدعوم ويرسلونه للخارج، ثم لا تصل أي بضائع حقيقية أو تصل بكميات أقل بكثير مما دفع ثمنه. تقرير ديوان المحاسبة أكد وجود تلك التجاوزات، بل وذكر تورط مدير رفيع في المصرف المركزي (إدارة الرقابة على المصارف) في تسهيل اعتمادات لشركات محددة بشكل غير قانوني، وعُثر في ملفات تلك الاعتمادات على فواتير شحن مزورة كما ذُكر. يشير ذلك بوضوح أن الاعتمادات استُعملت في تهريب الأموال للخارج بدل استجلاب منافع للبلد. حجم هذا النزيف المالي كان هائلًا، فوفق تقديرات غير رسمية قُدرت الاعتمادات الوهمية والاحتيالية خلال 2012–2017 بأكثر من 10 مليارات دولار أُهدرت. وقد اتخذ المركزي في 2018 إجراءات كرسوم بيع نقد أجنبي للحد من الظاهرة، لكن استمرت حالات التلاعب بشكل أقل وضوحًا، ما لم تتم محاسبة المستفيدين الرئيسيين منها قضائيًا.
  • التهريب المالي عبر الحوالات والمصارف الموازية: إلى جانب الاعتمادات، استُخدمت حوالات مصرفية وهمية لنقل الأموال خارج ليبيا. مثلًا، تم الكشف عن قيام بعض الإدارات الحكومية خلال السنوات الأولى بعد الثورة بتحويل مبالغ بالدينار إلى عملات أجنبية لأفراد بحجة منحهم مخصصات أو مكافآت، دون ذكر أسباب واضحة. إحدى هذه الحالات أرسل فيها أمين سر المجلس الانتقالي خطابًا إلى الجهات المالية لتحويل مبالغ من العملة المحلية إلى الأجنبية لصالح أشخاص، وقد تم ذلك بينما المواطن العادي كان يعاني شح العملات. هذه الحوالات مهدت الطريق لأشخاص نافذين لتهريب أموالهم ومدخراتهم بسرعة خارج البلاد. أيضًا لجأت بعض الشبكات غير الرسمية (تجار العملة) إلى تجميع سيولة الدينار وإيداعها في حسابات داخل مصارف تجارية، ثم إجراء تحويلات إلكترونية إلى حسابات لهم في الخارج، مستغلين ضعف رقابة البنك المركزي في تلك الفترة. وهكذا ظهرت طبقة استفادت من ف差 سعر الصرف بحيث كانت تشتري الدولار من المصرف بالسعر الرسمي وتبيعه بالخارج بالسعر الحر محققة أرباحًا خيالية. يُضاف لذلك، بروز سوق موازية داخلية تسمى “المقاصة الموازية” بين مصارف الشرق والغرب إبان الانقسام، حيث تبادل مصرفا طرابلس والبيضاء صكوكًا دون تسوية حقيقة بالنقد، مما أنتج فجوات استغلها البعض للتربح غير المشروع.
  • دور شبكات المصارف الموازية: خلال الانقسام، حاول كل طرف خلق أدواته المالية. في الغرب، استمر المركزي الرسمي وخاطب العالم كممثل وحيد، أما في الشرق فتم إنشاء كيانات مثل مصرف التجارة والتنمية الموازية، ومصرف التراث وغيرهما ليلعبوا دورًا في تمويل حكومة الشرق. بعض هذه المؤسسات يعتقد أنها شاركت في عمليات غسل أموال منظّم بالتعاون مع شركاء في الخارج، بحجة التحايل على القيود المفروضة على المصرف الشرقي. كما أن عددًا من شركات الصرافة الخاصة فتح في طرابلس وغيرها، مارس بعضها نشاطات مشبوهة بتسهيل تحويل مبالغ ضخمة للخارج بزعم استيراد سلع خفيفة الوزن عالية القيمة (كالذهب أو الإلكترونيات)، بينما الحقيقة أنها تغطية لتحويل أموال مسؤولين ورجال أعمال فاسدين لملاذات آمنة. ولم يبدأ ضبط هذا الوضع إلا في 2019 حين ألغى المصرف المركزي تراخيص العديد من هذه الشركات وقيّد التحويلات الفردية، وبعدما أحيلت 26 قضية فساد مالي في القطاع المصرفي إلى القضاء بتنسيق بين النائب العام وديوان المحاسبة.

لقد شكّلت هذه الأساليب في مجملها استنزافًا للاقتصاد الليبي وتحويل لجزء من الثروة الوطنية إلى الخارج في حسابات خاصة. وكانت أحد أسباب تفاقم أزمة السيولة وانهيار قيمة الدينار (إلى نحو 7 دنانير للدولار في السوق الموازية بحلول 2020 قبل أن يتم توحيد سعر الصرف). واعتُبرت أيضًا عاملًا في إطالة أمد الصراع، إذ وفرت لمتنفذين في الأطراف المتحاربة منابع تمويل شخصية عززت مصلحتهم في استمرار الوضع القائم.

5. قائمة بأبرز الشخصيات والجهات المتورطة في الفساد (2011–2025)

يوضح الجدول التالي أهم الأسماء والجهات التي وردت في تقارير رسمية ليبية أو تحقيقات إعلامية موثوقة مرتبطة بملفات فساد، مع نوع التهم أو المخالفات المنسوبة لكل منها ومصدر التوثيق. تم وضع إشارة بجانب كل اسم لتبيان ما إذا كانت المعلومة موثقة رسميًا (✔) عبر تقرير ديوان المحاسبة أو تحقيق النائب العام أو قرار هيئة رقابية، أو مذكورة إعلاميًا فقط (إشاعة/تهم غير مؤكدة رسميًا) (✻):

الشخص/الجهةنوع الفساد المنسوب إليهاالوضع/المصدر
عبد الرحيم الكيب (رئيس حكومة الانتقالي 2011–2012)إساءة استخدام أموال الدولة (إنفاق 5 مليار دينار على تأثيث المكاتب الحكومية دون مردود)aljazeera.net.✔ موثق بتصريح رئيس المؤتمر الوطني (ديوان المحاسبة 2012)
عضو بالمجلس الانتقالي عن مصراتةالحصول على سُلف بمجموع ~28 مليون دينار عدة مرات دون تسوية أو إرجاعaljazeera.net.✔ وارد في تقرير 2011 (ديوان المحاسبة/تصريحات ناشط)
مسؤول مالي في وزارة المالية (2012)استلام 30 مليون دينار دون وجه حق، ظهرت في التقارير الرسمية دون تبريرaljazeera.net.✔ تقرير ديوان المحاسبة 2011/2012
أمين سرّ المجلس الانتقالي (2011)إصدار تعليمات بتحويل مبالغ من الدينار إلى عملة أجنبية لأشخاص مجهولين أثناء أزمة سيولةaljazeera.net.✔ تقرير ديوان المحاسبة 2011/ تصريحات ناشط
شخصية مالية في الانتقالي (عضو لجنة مالية)تحويل 2.156 مليار دولار من حسابات محفظة استثمارية بلبنان ثم اختفاء المبلغ وعدم دخوله حسابات الدولةaljazeera.net.✔ تقرير ديوان المحاسبة 2011 / تصريحات مصطفى عبد الجليل
خليفة الغويل (رئيس حكومة الإنقاذ 2014–2016)تلقّي تمويل غير قانوني لحكومته من أموال عامة (تمويل حكومته بـ 15 مليار دينار عبر المركزي خارج إطار الميزانية)lj-bc.tv.✻ اتهام وارد بتقارير التدقيق الدولية وتصريحات مسؤولي الشرق
الصديق عمر الكبير (محافظ مصرف ليبيا المركزي – طرابلس منذ 2011)– مسؤوليته عن اختفاء 15 مليار دينار من حساب الاحتياطي (المجنّب) عام 2015 وتحويلها دون سند قانونيlj-bc.tv. <br/> – التورط في تجاوزات الاعتمادات المستندية عبر فساد موظفين تحت إدارتهlegal-agenda.com. <br/> – اتهامات بتمويل جهات مسلحة بصورة غير مباشرة (بحسب تقارير إعلامية)skynewsarabia.com. <br/> – منحه صلاحيات مطلقة في الصرف خارج الرقابة خلال غياب الميزانيات legal-agenda.com.✔✻ تقرير تدقيق دولي (ديلويت)x.com؛ تقرير المحاسبةlegal-agenda.com؛ تصريحات رمزي الآغاlj-bc.tv؛ اتهامات إعلامية متكررة.
علي سالم الحبري (محافظ مركزي البيضاء المكلف 2014–2023)– إهدار المال العام عبر التعاقد المكلف لطباعة عملة دون غطاء (دفع 121 مليون دولار لشركة غوزناك لطباعة دنانير بكلفة 6 دولار للورقة)occrp.org. <br/> – مخالفة قانون المصارف بطباعة عملة غير مغطاة بالاحتياطياتoccrp.org. <br/> – تراكم دين عام خفي بالشرق نتيجة تمويلات غير شفافة (70% من دين الشرق خارج الموازنة بسبب العملة المطبوعة)occrp.org.✔ تقرير المراجعة الدولية 2021 (ديلويت)occrp.orgoccrp.org
خالد شكشك (رئيس ديوان المحاسبة – طرابلس)اتهامات باستغلال النفوذ والتلاعب بملفات مالية لتحقيق منافع (وجهها وكيله بالشرق وسط نزاع شرعية)lywitness.com.✻ اتهامات في نزاع سياسي – لم تثبت بحكم قضائي (خلاف داخلي 2025)
عطية السعيطي (وكيل ديوان المحاسبة – البيضاء)اتهام شكشك بانتحال صفة الرئيس بشكل غير قانوني وتجاهل أحكام القضاءlywitness.com – ما تسبب بأزمة في عمل الديوان.✔ خلاف إداري موثق (مراسلات رسمية 2023/2025)
محمد بوغصيص (بوقعيقيص) (ناشط ورئيس منظمة مكافحة الفساد ببنغازي)ليس متهمًا بل مبلِّغ عن الفساد: كشف عشرات القضايا أعلاه (سلف الانتقالي، الأموال المفقودة، السيارات للأعضاء… إلخ)aljazeera.netaljazeera.net.✔ شهادات موثقة في الإعلام عن تقرير رسميaljazeera.net
عبد الله الثني (رئيس وزراء الحكومة المؤقتة بالشرق 2014–2021)الإنفاق خارج الرقابة لميزانيات ضخمة (21 مليار دينار خلال 3 سنوات) على الرواتب والدعم ومصروفات تسييرية دون شفافيةlegal-agenda.com.✔ ذكر في تقرير المحاسبة 2017 (عن حكومة الشرق)legal-agenda.com
فائز السراج (رئيس المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق 2016–2021)لم تُوجه له تهم فساد شخصيًا رسميًا، لكن في عهده حصل هدر مالي كبير (277 مليار دينار خلال 5 سنوات مشتركة)legal-agenda.com، ووقوع وزراء في حكومته بملفات فساد (الصحة، التعليم، الداخلية).✻ مسؤولية سياسية عن فساد الحقبة أكثر من اتهام مباشر
عبد الحميد الدبيبة (رئيس حكومة الوحدة 2021–2025)– منح عقود وإنفاق مال عام بشكل مخالف (مثال: 40.5 مليون دينار لشراء سيارات فاخرة للوزراء 2022)aawsat.com. <br/> – تعيينات أقارب في مناصب وشبهات تضارب مصالح (شركة الساعدي، إلخ) – تُداول إعلاميًا. <br/> – اتهامات بتمويل ميليشيات لضمان بقائه (صُرفت مئات الملايين كترضيات لأطراف مسلحة)lj-bc.tv. <br/> – خضوع حكومته لتحقيقات من ديوان المحاسبة أظهرت نهبًا للمال العام يندى له الجبينaawsat.com.✔✻ موثق بتقرير المحاسبة 2022aawsat.comaawsat.com؛ اتهامات إعلامية ومعارضة سياسية (لم تصل لإدانة قضائية بعد).
وزراء حكومة الوحدة الوطنية (2021–…):
– علي الزناتي (وزير الصحة)
– سمير كوكو (وكيل الصحة)
– موسى المقريف (وزير التعليم)
– مبروكة توغي (وزيرة الثقافة)
– محمد عون (وزير النفط والغاز)
تورط في قضايا فساد إداري ومالي: <br/> وزارة الصحة: توريدات مستلزمات طبية بأضعاف السعر الحقيقي (أكسجين بزيادة 1000% عن السعر)skynewsarabia.com، والتعاقد مع شركة وهمية دون خبرة لاستيرادهاskynewsarabia.com. أحيل الوزير ووكيله للتحقيق وحبسا احتياطيًاskynewsarabia.comskynewsarabia.com. <br/> وزارة التعليم: سوء إدارة أدت لأزمة الكتاب المدرسي 2021 نتيجة تعاقدات فاسدة؛ حبس الوزير احتياطيًا على ذمة قضية اختلاس مطبوعاتskynewsarabia.com. <br/> وزارة الثقافة: اتهام الوزيرة بسوء التصرف في أموال مناسبات ثقافية واختلاسات (حبست احتياطيًا في 2021 ثم أطلق سراحها لاحقًا)skynewsarabia.com. <br/> وزارة النفط: مخالفات إدارية جسيمة (صراع مع مؤسسة النفط) أدت لإيقاف الوزير إداريًاfacebook.com ثم حبسه في 2024 بتهم فساد مالي تتعلق بعقود ربط حقول نفطيةlywitness.com.✔ إجراءات رسمية: أوامر حبس من النائب العامskynewsarabia.comskynewsarabia.com؛ بيان هيئة الرقابةfacebook.com؛ تقارير إعلامية موثوقةlywitness.com.
رؤساء مؤسسات وشركات:
رئيس لجنة إدارة شركة الواحة للنفط – (2019–2022)
– مدير إدارة التسويق الدولي بالمؤسسة الوطنية للنفط (سابقًا)
– المدير العام لمصرف الجمهورية فرع صرمان
– مدير مكتب المراجعة الداخلية بالمصرف الليبي الخارجي
شركة الواحة: إبرام عقد حفر آبار بقيمة 770 مليون دينار رغم وجود عرض أقل بكثير، ومنح أعمال لشركة حديثة بلا خبرة؛ وصرف 100 مليون دولار لشركة لم تنفذ شيئًاalaraby.co.uk. تم حبس رئيس الشركة احتياطيًا وملاحقة باقي المتورطينalaraby.co.uk. <br/> إدارة التسويق النفطي: الامتناع عن تحصيل مستحقات بيع نفط بقيمة 2.7 مليار دولار مما سبب ضررًا جسيمًاalarab.co.uk. حبس المدير المسؤول على ذمة التحقيقalarab.co.uk. <br/> مصرف الجمهورية – صرمان: تسهيل اختلاس أموال وفساد إداري في منح ائتمان؛ أوقف المسؤول عن العمل وأحيل للقضاءar.libyaobserver.ly. <br/> المصرف الخارجي: تجاوزات في الرقابة الداخلية وتسهيل تحويلات مشبوهة؛ أوقف مدير المراجعة عن العمل للاشتباه بتورطهfacebook.com.✔ قرارات النائب العام (حبس)alaraby.co.ukalarab.co.uk؛ قرارات هيئة الرقابة الإداريةfacebook.comar.libyaobserver.ly.
قيادات عسكرية/ميليشياوية (مجهولة الأسماء في التقارير)
مثال: مسؤول بحرس المنشآت النفطية سابقًا، قادة مجموعات مسلحة في غرب ليبيا
– الاستفادة من تهريب الوقود المدعوم وبيع حصصه، أو الحصول على أموال مقابل إنهاء اعتصامات (مثل قضية إبراهيم جضران وحصار الموانئ 2013–2016 حيث يُزعم تلقيه أموالًا مقابل فتحها). <br/> – تقاضي رواتب ومنح لأفراد وهميين ضمن قواتهم على حساب الخزينة (ظاهرة المرتزقة الماليين). <br/> – نهب معدات أو استيلاء على ممتلكات الدولة (شوهدت حالات لسرقة كابلات كهرباء أو بيع خردة مصانع)ar.libyaobserver.ly.✻ مذكور في تقارير خبراء الأمم المتحدة وصحافة استقصائية (OCCRP، The Sentry) دون تسمية مباشرة؛ إشارات في تقارير ديوان المحاسبة لأموال مختفية تزامنًا مع سيطرة مجموعات محلية (استنتاجات قرائن).

ملاحظات حول الجدول:

  • القائمة أعلاه ليست شاملة لكل المتورطين، لكنها تضم أبرز الأسماء والجهات التي تكررت في مصادر موثوقة خلال 2011–2025.
  • علامة (✔) تعني وجود مستند رسمي أو إجراء قضائي يؤيد تورط الشخص/الجهة. وعلامة (✻) تعني أن المعلومة واردة من مصادر إعلام أو تقارير غير رسمية (لم يصدر حكم أو قرار بعد).
  • بالنسبة للأفراد في المناصب العليا (رؤساء حكومات/وزراء)، غالبًا ما لم تصدر أحكام قضائية نهائية ضدهم خلال الفترة المذكورة، لذا فإن إدراجهم هنا يأتي من واقع مسؤوليتهم السياسية أو الإدارية عما ورد في التقارير الرقابية من مخالفات في قطاعاتهم.

6. تأثير الفساد المالي والإداري على ليبيا

إن الانتشار الواسع للفساد خلال العقد الماضي في ليبيا خلّف آثارًا خطيرة متعددة المستويات طالت الاقتصاد والنسيج الاجتماعي وثقة المواطنين في الدولة، ويمكن تلخيص أبرز جوانب هذا التأثير في النقاط التالية:

  • الأثر على الاستقرار الاقتصادي: أفضى الفساد إلى إضعاف الاقتصاد الليبي بشكل هيكلي. فإهدار المليارات في مشاريع وهمية واعتمادات مسروقة حرم البلاد من استثمارات حقيقية في البنية التحتية والتنمية البشرية. وبدلًا من توظيف عوائد النفط لبناء اقتصاد متنوع، انتهى جزء كبير منها في حسابات خارجية أو في تمويل تضخم هائل لجهاز حكومي غير منتج. أدى ذلك إلى عجز مزمن في الموازنات عند أي هبوط لأسعار النفط، كما حصل بعد 2014 حيث وجدت ليبيا نفسها فجأة تعاني شحًا رغم إيراداتها السابقة الكبيرة. كذلك ساهمت ممارسات المركزي الموازي وطباعة النقد بلا ضوابط في انهيار قيمة الدينار وارتفاع مستوى التضخم لمستويات قياسية خلال 2016–2020. فقد انهارت القوة الشرائية للمواطنين عندما تجاوز سعر الدولار 10 دنانير في السوق السوداء قبل توحيد سعر الصرف، وفقد الموظفون نحو ثلثي قيمة دخولهم الحقيقية. ويمكن القول أن الفساد دمّر آليات الاقتصاد السوي: حيث تراجعت ثقة المستثمرين (المحليين والأجانب) في بيئة الأعمال الليبية وسط انتشار الرشاوى والابتزاز، وتضخم الاقتصاد غير الرسمي ليشكل جزءًا معتبرًا من النشاط نتيجة انعدام الشفافية.
  • تآكل الثقة العامة في المؤسسات: تسبب انكشاف عشرات الفضائح المالية في فقدان قطاع واسع من الليبيين الثقة بمؤسسات الدولة. فحين يرى المواطن عبر التقارير ووسائل الإعلام حجم النهب المنظم الذي يمارسه من يفترض أنهم قيّمون على المال العام، يتولّد شعور بالمرارة بأن تضحياته ذهبت هدرًا. وقد عبّر الشارع عن غضبه في عدة مناسبات، أبرزها احتجاجات صيف 2022 التي اجتاحت مدنًا في الشرق والغرب تنديدًا بالفساد وبسوء الخدمات وبكافة الطبقة السياسية. وصل الأمر بمحتجين في طبرق إلى اقتحام مقر البرلمان وإحراق أجزاء منه رمزًا لرفضهم الجميع. كما انتشرت على مواقع التواصل حملات شعبية ترفع شعار “ليش ساكت؟” تسأل عن مصير الأموال العامة المسروقة. هذا الانهيار في الثقة يقوّض العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة: فالمواطن لم يعد يتوقع الكثير من مؤسساته، بل صار يعتبرها عبئًا أو ملكًا لفئة متنفذة. ولهذا انعكاسات خطيرة على الاستقرار، حيث باتت الدعوات للعودة لحكم عسكري قوي أو حتى حنين البعض للنظام السابق تظهر بدافع الإحباط من فشل الإدارات بعد 2011.
  • تقويض مبادئ العدالة الاجتماعية: عمّق الفساد مشاعر الظلم والتفاوت الاجتماعي. ففي بلد يفترض أنه غني بالنفط وموارده محدودة السكان، يعاني معظم المواطنين اليوم أوضاعًا معيشية صعبة: بطالة عالية، انقطاع كهرباء ومياه، نقص سيولة، تدني مستوى التعليم والصحة. وفي المقابل، تشكّلت طبقة ضيقة من أصحاب النفوذ والأثرياء الجدد الذين جنوا ثروات ضخمة عبر المحسوبية والسرقة. تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد أصحاب الملايين (بالدولار) ازداد بشكل لافت في سنوات الحرب، حتى قيل مجازًا إن “الفساد في ليبيا يخلق مليونيرًا جديدًا كل يوم“. هذا التفاوت أجّج الغضب الشعبي، خصوصًا لدى الشباب الذين يشعرون أن ثروة وطنهم ذهبت لجيوب قلة من المسؤولين وأعوانهم فيما يعيش الباقون التهميش. كما أن الإنفاق الحكومي الفاسد انحاز مناطقيًا في أحيان كثيرة – فمثلاً تم ضخ أموال لإرضاء مناطق معينة موالية لهذا الطرف أو ذاك، بينما أهملت مناطق أخرى عقابًا لها – مما زرع بذور الشقاق بين أبناء الوطن على أسس جهوية.
  • تدهور الخدمات العامة والمرافق: انعكس نهب الأموال مباشرة على نوعية الخدمات المقدمة للمواطن. إذ بينما تبخرت ميزانيات ضخمة على الورق، بقيت البنية التحتية متهالكة. على سبيل المثال، قطاع الصحة الذي أنفق مليارات خلال عقد (بين مرتبات ودعم أدوية وعلاج بالخارج) ما زال عاجزًا عن توفير خدمات طبية أساسية – مستشفيات دون أدوية أو معدات حديثة، واعتماد مفرط على العلاج الخارجي (الذي شهد بدوره فسادًا كما رأينا). قطاع التعليم عانى من نقص الكتب المدرسية لعامين متتاليين بسبب فساد تعاقدات الطباعة، واضطر الأهالي لشراء كتب من السوق السوداء. أما أزمة الكهرباء الحادة التي دخلت كل بيت ليبي، فهي مثال واضح لكيف تؤدي السرقات الإدارية إلى حرمان الناس من حق أساسي – فبرغم صرف موازنات طوارئ وتوقيع عقود إنشاء محطات، بقيت المشروعات متعثرة بسبب السرقات والعمولات غير الشرعية. ونتيجة لذلك، تعطلت عجلة الإنتاج في المصانع وارتفعت تكلفة المعيشة إذ اضطر المواطنون لشراء مولدات خاصة أو الوقوف في طوابير لساعات لتعبئة الوقود لمحطاتهم. ولم تسلم منظومة مياه الشرب أو شبكات الصرف الصحي من التدهور أيضًا نتيجة الفساد في مشاريعها. باختصار، حرم الفساد الليبيين من التمتع بثمار ثرواتهم في حياة كريمة، وحوّل الكثير من المرافق إلى هياكل غير فعالة.

وخلاصة القول، كان الفساد بمثابة سرطان نخر كيان الدولة والمجتمع الليبي. فهو لم يضر الجانب المالي فقط، بل ضرب قيم النزاهة والمساواة، وأفرز مناخًا من اليأس والاستقطاب والكفر بجدوى التغيير السلمي. كما أنه غذّى بدوره دورة العنف: إذ موّل أمراء الحرب أنشطتهم عبر المال الفاسد، واستغلوا مشاكل المواطنين لتجنيدهم ضد الطرف الآخر بدل أن يتحد الجميع على بناء وطنهم. ولعل إحدى أكبر ضحايا الفساد كانت فرصة البناء الضائعة بعد 2011 – التي لو استثمرت بروح وطنية وخلو من النهب لكانت ليبيا اليوم أقرب إلى الاستقرار والازدهار.

7. جهود مكافحة الفساد في ليبيا

رغم قتامة الصورة، شهدت السنوات الأخيرة حراكًا متزايدًا على صعيد مكافحة الفساد في ليبيا، سواء عبر تطوير القوانين أو تفعيل الدور الرقابي والقضائي أو حتى الاستعانة بجهات دولية. فيما يلي تفصيل لأهم الجهود والمبادرات المبذولة ومدى فعاليتها:

  • الإطار القانوني والتشريعات: بدأ تحديث المنظومة القانونية للنزاهة منذ المجلس الانتقالي الذي أصدر قانونًا لإنشاء هيئة مكافحة الفساد (2011) وقانونًا لإلزام المسؤولين بإقرار الذمة المالية. وفي 2014 أقر المؤتمر الوطني قانونًا شاملًا لمكافحة الفساد حدد الجرائم والعقوبات. كما انضمت ليبيا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) وأصبحت ملتزمة بمقتضياتها. بعد ذلك، عُدلت بعض القوانين لسد الثغرات؛ مثل تعديل قانون ديوان المحاسبة لتوسيع صلاحياته في التحري والتوقيف الاحتياطي الإداري. وأقر مجلس النواب في 2021 قانونًا لإنشاء محكمة مختصة بقضايا الفساد، وإن لم تُفعل عمليًا بعد. عمومًا، النصوص القانونية اللازمة موجودة إلى حد كبير – مثلاً تجريم الرشوة والاختلاس والإثراء غير المشروع – لكن المشكلة ظلت في إنفاذ هذه القوانين في ظل ضعف المؤسسات وانقسامها.
  • تفعيل التحقيقات والمحاكمات: بدءًا من 2018 تقريبًا، أخذ مكتب النائب العام الليبي زمام المبادرة في تتبّع قضايا الفساد الكبرى. وشكّل النائب العام المستشار الصديق الصور فرقًا خاصة للتدقيق في قطاعات النفط والصحة والتعليم وغيرها. وبالفعل، شهدنا سلسلة من أوامر الضبط والإحضار ثم الحبس الاحتياطي بحق مسؤولين كبار كما مرّ معنا. حبس وزير الصحة ووكيله (2022)، حبس وزيري التعليم والثقافة (2021)، حبس رؤساء شركات نفطية ومصرفية (2023) – هذه الإجراءات بعثت إشارة قوية بأن عهد الإفلات المطلق من العقاب بدأ يتراجع. كما أحال النائب العام العشرات من صغار الموظفين والمسؤولين المحليين للمحاكم بتهم اختلاس المال العام وخيانة الأمانة الوظيفية. حتى أن محكمة في طرابلس أصدرت في 2022 حكمًا بحبس 14 موظفًا بوزارة الصحة بعد إدانتهم بالفساد، في سابقة هي الأكبر من نوعها. ومع أن كثيرًا من تلك القضايا لم يصدر فيها أحكام نهائية بعد (بسبب بطء القضاء أو تدخل السياسة)، إلا أن مجرد تحريكها ساهم في ردع نسبي لمظاهر الفساد العلنية. يشار أيضًا إلى أنه منذ 2021 تم تفعيل التعاون بين الأجهزة الرقابية والنيابة؛ حيث صار ديوان المحاسبة يحيل رسميًا تقاريره للنائب العام لاتخاذ ما يلزم، وتم فتح تحقيقات بناءً على تقرير 2021 ثم 2022. هذه صحوة قضائية تبعث على الأمل، لكنها ما زالت تواجه عراقيل عندما يصل الخيط إلى شخصيات محمية من مراكز قوى.
  • دور المؤسسات الرقابية: رغم كل ما قيل عن مشاكل ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية، إلا أنهما لعبا دورًا رئيسيًا في كشف الفساد. ديوان المحاسبة خاصة واظب على نشر تقاريره السنوية التفصيلية على موقعه، وقد غطت كل أجهزة الدولة تقريبًا ورصدت آلاف المخالفات. كما أصدر تقارير موضوعية (مثل تقرير خاص عن الاعتمادات المستندية) لتسليط الضوء على بؤر الفساد. هذه الشفافية أجبرت المسؤولين على الرد أحيانًا، وحرّكت الرأي العام. هيئة الرقابة كذلك كثفت التفتيش المفاجئ في بعض الجهات وأصدرت قرارات إدارية ضد متجاوزين. الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد – رغم تضاؤل دورها – قامت بحملات توعية وأنشأت موقعًا إلكترونيًا لاستقبال بلاغات المواطنين عن الفساد، وشاركت في إعداد إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في 2019. كما حاولت ربط جهودها مع المجتمع المدني عبر ورش عمل وحلقات نقاش. هذه الجهود الرقابية أسهمت في إبقاء قضية الفساد في الواجهة وعدم السماح لها بأن تُدفن أو تُنسى وسط الصراع، وهو أمر إيجابي بحد ذاته.
  • التدقيق والمساعدة الدولية: نظراً لانقسام المؤسسات المالية الليبية وصعوبة حصول ثقة متبادلة داخليًا، تدخلت أطراف دولية لتسهيل مراجعات مستقلة للمؤسسات السيادية. أبرز مثال كان تكليف الأمم المتحدة لشركة ديلويت بإجراء مراجعة دولية لحسابات المصرف المركزي بفرعيه سنة 2020. وقد انتهت المراجعة في 2021 بتقرير كشف فجوات بالمليارات كما رأينا، وأوصى بإجراءات لتوحيد المصرف وتحسين الشفافية. هذا التدقيق ساعد في بناء ثقة نسبية وشكّل أرضية لاتفاق توحيد مجلس إدارة المصرف المركزي أواخر 2021 – ولو أنه لم ينفذ بالكامل بعد. أيضًا، جرت محاولات لمراجعة حسابات المؤسسة الوطنية للنفط عبر مكتب محاسبة دولي بطلب من حكومة الوفاق عام 2018، لكن نتائجها لم تُعلن وربما توقفت بسبب تغيّر الإدارة. علاوة على ذلك، ضغط الشركاء الدوليون (خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) لإيجاد آلية شفافة لإدارة عوائد النفط. فأنشأت الولايات المتحدة في 2022 مبادرة “مجموعة العمل الاقتصادية” ضمن مسار برلين، والتي تجمع مسؤولي المالية والمصرف الليبيين تحت إشرافها لمناقشة البيانات المالية وتوزيع الإنفاق. كما قامت بعثة الأمم المتحدة (أونسميل) بعقد جلسات حوار اقتصادي ليبي-ليبي لمحاربة الفساد، منها اجتماع في جنيف 2020 خرج بتوصيات حول الإفصاح المالي. هذه الجهود الدولية وفرت قدرًا من التدقيق الخارجي ومنعت بعض أشكال الفساد الصارخ – مثلاً هددت وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على أي جهة تبيع النفط خارج الأطر الرسمية، ما ردع المحاولات الشرقية لبيع النفط عبر موازية في 2018. كذلك أدرج مجلس الأمن أسماء مهربي وقود على قائمة العقوبات عام 2018. مثل هذه الخطوات الدولية ضيّقت الخناق نسبيًا على الفاسدين، لكنها بالطبع ليست حلًا جذريًا.
  • مشاركة المجتمع المدني والإعلام: لعب الإعلام المحلي والدولي دورًا حيويًا في كشف العديد من ملفات الفساد التي ذكرناها. تقارير استقصائية من منظمات مثل OCCRP وجلوبال ويتنس وذا سنتري سلّطت الضوء عالميًا على سرقات الأموال الليبية. كما أن نشطاء محليين ومنظمات شفافية ليبية (مثل جمعية الشفافية الليبية) رفعوا صوتهم ضد الفساد ووفروا منصة للتبليغ عنه. صحيح أن مساحة المجتمع المدني تضيق أحيانًا بسبب الوضع الأمني، لكن برز في السنوات الأخيرة مؤشرات وعي عام واسع: فعلى سبيل المثال، عندما تأخر توريد لقاحات كورونا في 2021 وانتشرت شائعات عن سمسرة وعمولات في وزارة الصحة، قامت مجموعات مدنية بحملة ضغط ومراقبة أجبرت الحكومة على الإسراع بالخطوات، وتجنبت حينها إبرام صفقات ملتوية خشية الفضيحة. كذلك فإن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت سلاحًا بيد الجمهور لكشف البذخ غير المبرر للمسؤولين – كما حصل عند تسريب قائمة السيارات التي اشتراها الدبيبة لوكلاء وزارته بـ40 مليون دينار، حيث أثار الأمر عاصفة انتقاد اضطرت الحكومة لتبرير المشتريات بذرائع واهية. مثل هذا الضغط الشعبي يشكّل أداة رقابة غير رسمية لكنها فعالة أحيانًا، وقد أجبرت في حالات عدة على إلغاء قرارات معينة أو إرجاع أموال (كما حدث في 2013 عند الكشف عن مكافآت ضخمة لأعضاء المؤتمر العام فتم تقليصها إثر النقد الشعبي).

تحديات ومستقبل مكافحة الفساد:

على الرغم من الجهود المذكورة، لا تزال مكافحة الفساد في ليبيا تواجه عقبات كبيرة. أبرزها الإفلات من العقاب لبعض “الحيتان الكبيرة” التي تستقوي بولاءات قبلية أو دعم ميليشيوي فتعرقل الإجراءات ضدها. أيضًا ضعف حماية المبلّغين والشهود يجعل الكثيرين يحجمون عن التعاون مع التحقيقات. أضف إلى ذلك أن استمرار الانقسام السياسي يبدد الجهود – فمثلًا قد تصدر محكمة في طرابلس أمرًا بالقبض على مسؤول هارب في الشرق، لكن لا يُنفذ لاحقًا لانعدام التنسيق بين الأجهزة الأمنية المنقسمة.

مع ذلك، هناك بوادر إيجابية: تحسن ترتيب ليبيا نسبيًا في مؤشر مدركات الفساد 2021 (سجلت 17 نقطة من 100 وجاءت في المرتبة 172/180). صحيح أنها لا تزال ضمن الدول الأكثر فسادًا، لكن مجرد الحديث العلني عن الظاهرة واتخاذ إجراءات قضائية يعطي أملًا في التحسن. ولعل ما قاله خبير اقتصادي ليبي يلخص الأمر: “وضع الفساد في ليبيا أكبر بكثير مما يقال أو يُثبت، لكن كسره يبدأ بالاعتراف والشفافية ثم بالمحاسبة”. لذا، يُعوّل على استمرار الضغط المحلي والدولي لخلق بيئة لا تسامح مع الفساد، وعلى أن يُدرج موضوع مكافحة الفساد كجزء أساسي من أي تسوية سياسية شاملة، لأن توزيع موارد البلاد بعدالة وشفافية سيكون مفتاح الاستقرار الدائم.

فيما يلي قائمة المراجع والمصادر التي استُند إليها في إعداد التقرير المعنون “تحليل شامل حول الفساد المالي والإداري في ليبيا (2011–2025)”. تم الاعتماد على تقارير رسمية ليبية، بيانات مؤسسات رقابية، تحقيقات صحفية، وثائق دولية، وشهادات مدنية موثوقة:

أولاً: تقارير رسمية ليبية

  1. ديوان المحاسبة الليبي:
    • التقارير السنوية للأعوام: 2011، 2012، 2015، 2017، 2018، 2021، 2022.
    • تقارير خاصة مثل: تقرير الاعتمادات المستندية، تقرير قطاع الصحة.
    • موقع ديوان المحاسبة الرسمي: https://audit.gov.ly
  2. هيئة الرقابة الإدارية:
    • بيانات الإيقاف الاحتياطي لعدد من المسؤولين بين 2021–2023.
    • تقارير حول المخالفات الإدارية في المصارف والوزارات.
  3. النيابة العامة الليبية:
    • بيانات النائب العام المستشار الصديق الصور بشأن:
      • حبس وزراء (الصحة، التعليم، الثقافة، النفط).
      • ملاحقة مسؤولين في شركات النفط والمصارف.
    • حساب النائب العام الرسمي على فيسبوك.

ثانيًا: منظمات دولية وشركات تدقيق

  1. تقرير شركة Deloitte (ديلويت) الدولية – مراجعة حسابات مصرف ليبيا المركزي (2021) بطلب من بعثة الأمم المتحدة.
    • UNDP + UNSMIL initiative.
  2. تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) – بشأن التوصيات الاقتصادية، مجموعة العمل الاقتصادية.
  3. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) – انضمت إليها ليبيا في 2005.

ثالثًا: تحقيقات ومقالات صحفية موثوقة

  1. قناة الجزيرة (الجزيرة نت / البرامج الوثائقية):
    • حلقات من “ما خفي أعظم” حول ليبيا.
    • تقارير عن تهريب الأموال وملفات الانتقالي.
    • مقابلات مع مسؤولين وناشطين ضد الفساد.
  2. صحيفة العربي الجديد:
    • ملفات فساد الوزراء في حكومة الدبيبة.
    • تقارير عن الاعتمادات والإنفاق العام.
  3. Sky News عربية / BBC Arabic / France24 Arabic:
    • تقارير حول الفساد في قطاع النفط والاعتمادات المستندية.
  4. صحيفة “الشرق الأوسط”:
    • تصريحات الصديق الكبير والبيانات المالية العامة.
  5. موقع OCCRP (Organized Crime and Corruption Reporting Project):
    • ملفات غسيل الأموال وتهريب النفط من ليبيا.
  6. منظمة The Sentry:
    • تحليلات عن اقتصاد الحرب في ليبيا وشبكات الفساد والتهريب.
  7. Global Witness:
    • بيانات عن إدارة الموارد الطبيعية في ليبيا، ودور الشركات الأجنبية.

رابعًا: مصادر محلية ومدنية

  1. مدونة الناشط محمد بوقعيقيص (رئيس منظمة الشفافية بنغازي):
    • شهادات ومقالات توثق ملفات فساد بين 2012–2014.
    • منشورات على فيسبوك وتحقيقات ميدانية.
  2. مواقع التواصل الاجتماعي:
    • منشورات وتقارير من مدونين محليين، تسريبات العقود وقوائم الصرف.
    • حملات مثل: “ليش ساكت؟”، “فين الفلوس؟”، “#فساد_الصحة”.
  3. تصريحات مصطفى عبد الجليل (رئيس المجلس الانتقالي سابقًا):
    • مقابلات متلفزة حول الأموال المختفية.
    • شهادته عن سرقة المليارات من محفظة لبنان.
  4. المجتمع المدني الليبي:
    • منظمة الشفافية الليبية.
    • مؤسسة الديمقراطية وحقوق الإنسان (DHRL).
    • تقارير الملتقى الوطني الليبي ومؤسسة الرقيب.

خامسًا: قوانين وتشريعات ذات صلة

الدستور المؤقت لعام 2011 – النصوص ذات الصلة بالنزاهة والرقابة.

قانون ديوان المحاسبة رقم 19 لسنة 2013.

القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن مكافحة الفساد.

القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل (للإشارة إلى الفساد في التوظيف).

التحليل الشامل للمشهد الليبي (2011–2025)

شهدت ليبيا منذ انتفاضة 17 فبراير 2011 تحولات جذرية أدخلتها في حالة من التقلبات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. أُطيح بنظام معمر القذافي في أكتوبر 2011 بعد نزاع مسلح ودعم دولي، ومنذ ذلك الحين تحاول ليبيا بناء دولة حديثة لكنها انزلقت في سلسلة من الصراعات والانقسامات. فيما يلي تحليل شامل للمشهد الليبي خلال هذه الفترة، متضمناً أبرز المنعطفات والصراعات، وردود فعل الشارع، والجهات المتورطة في أعمال إجرامية وفساد وعرقلة الانتقال السياسي، وتصنيف هذه الأطراف حسب طبيعة أنشطتها، وتأثيرها على وحدة الدولة والعدالة الانتقالية والمصالحة والاقتصاد ومستقبل الشباب. كما يناقش التحليل ظاهرة الإفلات من العقاب ودور الجهات القضائية، ويختتم بتوصيات وآليات مقترحة للتعامل مع هذه التحديات.

أولاً: التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية (2011–2025)

الوضع السياسي والأمني:

بعد سقوط النظام السابق عام 2011، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية مضطربة. تشكّلت المجلس الوطني الانتقالي لإدارة شؤون البلاد بشكل مؤقت، تلاه انتخاب المؤتمر الوطني العام سنة 2012 كأول هيئة تشريعية بعد الثورة. رغم هذا التطور الديمقراطي، واجهت البلاد سريعاً انقسامات سياسية حادة. في 2014 أُجريت انتخابات مجلس النواب، لكن نتائجها كانت محل نزاع كبير، إذ رفضت قوى في طرابلس الاعتراف بشرعية المجلس المنتخب الذي انتقل إلى مدينة طبرق شرقي البلاد. نتج عن ذلك انقسام مؤسساتي حاد؛ حيث صار في ليبيا حكومتان وبرلمانان متوازيان (واحد في الشرق وآخر في الغرب) منذ 2014. هذا الانقسام السياسي مهّد الطريق لحرب أهلية على السلطة والنفوذ الإقليمي.

برز الجنرال خليفة حفتر كقائد عسكري في الشرق يقود ما عُرف بـ«عملية الكرامة» مدعوماً من مجلس النواب في طبرق، في مواجهة تحالف قوى أغلبها ذات توجهات ثورية وإسلامية في الغرب (عملية «فجر ليبيا»)، مما أشعل حرباً أهلية بين الشرق والغرب عامي 2014–2015. في ديسمبر 2015، سعت الأمم المتحدة لرأب الصدع عبر اتفاق الصخيرات السياسي، الذي أسفر عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج في أوائل 2016. لكن هذا الاتفاق لم يُنفّذ بالكامل؛ إذ رفضت السلطة الشرقية (البرلمان وقوات حفتر) الاعتراف بشرعية حكومة الوفاق، لتستمر حالة الازدواجية في الحكم.

على الصعيد الأمني، تدهورت الأوضاع مع تفشي الميليشيات وانتشار السلاح. بين 2014 و2017 خاضت قوات حفتر في الشرق حرباً ضد مجموعات إسلامية متشددة وغيرها في بنغازي ومدن الشرق، وتمكنت بعد حرب شوارع دامت 3 سنوات من بسط سيطرتها على بنغازي بحلول أواخر 2017، ولكن ذلك خلّف دماراً واسعاً في المدينة. كما شهدت مدن أخرى مواجهات مسلحة وصعود جماعات متطرفة مثل تنظيم داعش الذي استغل الفوضى وفرض سيطرته على مدينة سرت في 2015، قبل أن يتم دحره في 2016 على يد قوات موالية لحكومة الوفاق بدعم ضربات جوية أميركية.

في عام 2019، تصاعد النزاع مجدداً عندما شنّت قوات حفتر (الجيش الوطني الليبي/LNA) هجوماً واسعاً على العاصمة طرابلس مقر حكومة الوفاق آنذاك، بهدف السيطرة عليها. دام هذا الهجوم قرابة عام (أبريل 2019 – يونيو 2020) وتسبب في سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين. فشلت حملة حفتر في دخول طرابلس بعدما تدخلت عسكرياً قوى خارجية لدعم طرفي الصراع (خاصة تركيا دعماً لحكومة الوفاق، في مقابل دعم روسيا والإمارات ومصر لحفتر)، وانتهت المعارك بهزيمة قوات حفتر على أطراف العاصمة في صيف 2020. أُعلن وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020 بين الشرق والغرب، وتشكّلت لجنة عسكرية مشتركة (5+5) للإشراف على تثبيته.

وفي مارس 2021، وبدعم أممي عبر ملتقى الحوار السياسي، شُكّلت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة لتوحيد المؤسسات وقيادة مرحلة انتقالية جديدة نحو الانتخابات. حظيت هذه الخطوة بتأييد محلي ودولي واسع باعتبارها فرصة لإنهاء الانقسام. إلا أن زخم الوحدة ما لبث أن تراجع مع تعثّر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في ديسمبر 2021 بسبب الخلافات على قوانين الانتخاب ووجود مرشحين مثيرين للجدل (مثل سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر). بعد إفشال الاستحقاق الانتخابي، عاد شبح الانقسام السياسي مجدداً في مطلع 2022، حيث اعتبر مجلس النواب أن ولاية حكومة الدبيبة انتهت وكلف فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة (حكومة الاستقرار الوطني) بدعم من الشرق. رفض الدبيبة تسليم السلطة دون انتخابات، مما أوجد حكومتين متوازيتين مرة أخرى (واحدة في طرابلس يقودها الدبيبة، وأخرى مقرها سرت ثم بنغازي يقودها باشاغا). تصاعد التوتر العسكري في العاصمة في أغسطس 2022 عندما حاولت قوات موالية لباشاغا دخول طرابلس بالقوة، فوقعت اشتباكات عنيفة بين الميليشيات أودت بحياة العشرات.

ورغم استمرار الانقسام السياسي خلال 2023–2024، تجنبت ليبيا انزلاقاً جديداً إلى حرب واسعة، بيد أن الوضع الأمني ظل هشاً مع اندلاع اشتباكات متفرقة بين المجموعات المسلحة في مدن مثل طرابلس وزوارة والزاوية. مثال ذلك اشتباكات طرابلس في أغسطس 2023 بين جهازين أمنيين كبيرين في العاصمة (قوة الردع الخاصة وجهاز دعم الاستقرار)، والتي أدت إلى مقتل 55 شخصاً على الأقل. وفي مدينة الزاوية الساحلية، تكررت الاشتباكات بين فصائل محلية في 2023 بسبب التنافس على التهريب والنفوذ، مسفرةً عن سقوط مدنيين. كذلك شهدت منطقة الجنوب (فزان) بين الحين والآخر معارك قبلية أو مع جماعات متمردة أجنبية (سودانية وتشادية) تعمل كمرتزقة، مما أبقى التوتر الأمني مستمراً في الجنوب المهمّش.

شكل استمرار وجود المقاتلين الأجانب والمرتزقة تحدياً أمنياً كبيراً رغم اتفاق وقف النار 2020. فلا تزال عناصر تابعة لـ مجموعة فاغنر الروسية متمركزة في وسط وجنوب البلاد دعماً لقوات حفتر، إلى جانب مقاتلين من السودان وتشاد، في حين يتواجد في الغرب آلاف المرتزقة السوريين الذين جاءت بهم تركيا لدعم حكومة الوفاق سابقاً. ورغم المطالبات الدولية بخروجهم، لم يُحرَز تقدم يُذكر في هذا الملف حتى 2025.

الوضع الاقتصادي:

عانت ليبيا اقتصادياً منذ 2011 رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفط في إفريقيا. تأثر الإنتاج النفطي – عصب الاقتصاد – بشدة نتيجة الصراع السياسي، حيث تكررت عمليات إغلاق المنشآت النفطية كورقة ضغط. على سبيل المثال، أوقفت مجموعات قبلية أو قوات موالية لحفتر الإنتاج عدة مرات (أبرزها إغلاق كبير في 2013، ثم إغلاق الهلال النفطي 2018، وأيضاً إغلاقات مطلع 2020) ما خفّض الإنتاج والصادرات وأضر بالإيرادات الحكومية. مع توصل الفرقاء لوقف النار 2020، استؤنف ضخ النفط بشكل كامل تقريباً، ما دفع الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون برميل يومياً بنهاية 2021 واستقرت العائدات حينها. لكن السياسيين والعسكريين استمروا في استخدام سلاح النفط في الصراع؛ ففي ربيع 2022 أغلقت جماعات موالية للشرق حقولاً وموانئ نفطية مجدداً للضغط على حكومة طرابلس، مما أدى إلى خسارة مليارات الدولارات وأزمات في توفر الوقود والكهرباء.

أسهم الانقسام المؤسسي في تفاقم الأزمة الاقتصادية، إذ انقسم مصرف ليبيا المركزي إلى فرعين في طرابلس والبيضاء لكل منهما سياسة نقدية متضاربة، ما أدى لسنوات إلى ارتفاع التضخم ونقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية. ورغم توحيد مجلس إدارة المصرف المركزي اسمياً عام 2021، لا تزال الخلافات عميقة حول إدارة الاحتياطيات وتوزيع الإيرادات. كما ازداد الإنفاق الحكومي بشكل غير مسبوق بعد 2021 مع تدفق عائدات النفط، لكن هذه الأموال لم تنعكس على حياة المواطنين بشكل ملموس، بل تسرّب الكثير منها عبر شبكات الفساد والمحسوبية. إذ بلغت ليبيا مرتبة متأخرة جداً في مؤشر مدركات الفساد (المرتبة 170 عالمياً عام 2023)، ويُقدر مراقبون انتشار ما يُسمى بـ«حكم اللصوص (الكليبتوقراطية)» حيث تتآكل مؤسسات الدولة لصالح نخبة فاسدة تستنزف الموارد. وقد كشفت كارثة فيضان درنة في سبتمبر 2023 عن جوانب مأساوية لإهمال البنية التحتية والفساد المزمن؛ فالفشل في صيانة سديّ المدينة المنهارين نتيجة عقود من الفساد والإهمال أدى إلى آلاف الضحايا.

وعلى مستوى معيشة المواطنين، تدهورت الخدمات الأساسية بشدة. إذ تعاني البلاد من انقطاعات مزمنة للكهرباء خصوصاً في الصيف، تصل أحياناً إلى 12 ساعة يومياً، نتيجة تهالك محطات التوليد وتأخر مشاريع الصيانة وبسبب النزاعات التي أدت لتخريب الشبكات. كما تراجع توفير الرعاية الصحية والتعليم نتيجة هجرة الكفاءات وضعف الاستثمار وغياب الأمن. وارتفعت معدلات البطالة خاصة بين الشباب، ودخلت شرائح واسعة تحت خط الفقر رغم الموارد النفطية الكبيرة. ووفق تقديرات أممية في 2022، احتاج حوالي 24% من النساء و30% من الأطفال في ليبيا إلى مساعدات إنسانية مخصصة.

الوضع الاجتماعي:

ترك عقد من الصراع أثرًا عميقًا على النسيج الاجتماعي الليبي. فعلى الرغم من استمرار شعور الانتماء الوطني لدى الغالبية – حيث أظهرت دراسة مسحية عام 2022 أن أكثر من 82% من الليبيين فخورون بهويتهم الوطنية – إلا أن الانقسامات الجهوية والقبلية تفاقمت. شعرت مناطق الشرق والجنوب تاريخياً بالتهميش السياسي والاقتصادي، وزاد هذا الشعور خلال المرحلة الانتقالية مع هيمنة مركزية طرابلس على القرار السياسي والموارد، ما دفع البعض في الشرق إلى المطالبة بنظام أكثر لامركزية وحتى الفيدرالية لضمان توزيع عادل للثروة والسلطة. كما طالب الأمازيغ والطوارق والتبو بمزيد من الاعتراف بحقوقهم الثقافية والسياسية، منتقدين مسودة الدستور (2017) لاعتبارها العربية اللغة الرسمية الوحيدة وعدم تبنيها مبدأ التعدد اللغوي إلا بصورة محدودة.

اجتماعياً أيضاً، خلفت الحروب موجات نزوح كبيرة. فهناك مئات الآلاف من النازحين داخلياً ممن أُجبروا على ترك بيوتهم خلال حرب 2011 أو حروب لاحقة (مثل نازحي تاورغاء الذين هُجروا بالكامل في 2011 ولم يُسمح لهم بالعودة إلا بعد اتفاق مصالحة متأخر عام 2018، وكذلك عشرات الآلاف نزحوا من مناطق جنوب طرابلس وترهونة خلال حرب 2019-2020). ورغم عودة قسم من النازحين إلى ديارهم بعد تحسن نسبي في الأمن، لا يزال كثيرون يعانون من فقدان ممتلكاتهم أو دمار بيوتهم دون تعويضات أو خطط إعادة إعمار واضحة.

شهد المجتمع المدني والصحافة هامشاً محدوداً من الحرية بعد 2011 لكنه تقلّص مع الوقت بسبب سطوة الجماعات المسلحة وهيمنة السلطات الفعلية. فالنشطاء الحقوقيون والصحفيون يواجهون مخاطر الخطف والاعتداء إذا تجاوزوا “الخطوط الحمراء”. وقد اغتيل أو اختُطف عدد من الشخصيات البارزة من النشطاء والسياسيين خلال السنوات الماضية على أيدي مسلحين مجهولين، مثل الناشطة سلوى بوقعيقيص (اغتيلت ببنغازي 2014) والنائبة فريحة البركاوي (اغتيلت 2014) والمحامية حنان البرعصي (اغتيلت ببنغازي 2020)، وسط إفلات تام من العقاب. كما تعرضت ناشطات للتهديد وحملات التشهير ما أدى لعزوف كثيرين عن العمل العام. في الغرب، قامت مجموعات مسلحة بمداهمة مقار منظمات مجتمع مدني واعتقال ناشطين بذريعة مخالفات إدارية أو “مساس بالقيم”، وفي الشرق فُرضت قيود صارمة على عمل المنظمات وأغلقت بعضها، واعتُقل معارضون بحجة “الإرهاب” أو “الخيانة”.

من جهة أخرى، عانى الشباب الليبي الذي قاد شرارة الثورة من خيبة أمل عميقة. فقد وجد كثير من الشباب أنفسهم في بيئة يسيطر عليها أمراء حرب وسياسيون مخضرمون، مع شحّ فرص العمل وضعف التعليم وانتشار السلاح والمخدرات، مما دفع البعض إلى الهجرة غير الشرعية عبر البحر رغم المخاطر. كما انخرط آلاف الشباب في الميليشيات والجماعات المسلحة نظرًا للمكاسب المادية والنفوذ الذي توفره، في ظل غياب بدائل مدنية أو اقتصادية مجزية. ويمكن القول إن جيلاً كاملاً ترعرع خلال الفوضى، يفتقر للأمان والاستقرار ولديه إحباط من النخب الحاكمة المتصارعة على حساب مستقبلهم.

ثانياً: ردود فعل الشارع الليبي – الحراك الشعبي والخطاب العام

واجه الشارع الليبي التطورات المتسارعة بردود فعل تراوحت بين التأييد الحماسي أحياناً والاحتجاج الغاضب في أحيان أخرى. في بداية الثورة عام 2011 خرج الملايين مبتهجين بسقوط النظام السابق ومعلنين تطلعاتهم للديمقراطية والعدالة. لكن مع طول أمد الفوضى، برز سخط شعبي متزايد على النخب السياسية والجماعات المسلحة، خاصة مع تدهور الأوضاع المعيشية.

شهدت ليبيا منذ 2011 سلسلة من الاحتجاجات الشعبية البارزة في مختلف المناطق. فعلى سبيل المثال، خرجت مظاهرات حاشدة في طرابلس وبنغازي ومدن أخرى في صيف 2013 تطالب بحل الميليشيات وإخراجها من المدن بعد حوادث اقتتال وسوء سلوك منسوبة إليها. وتصاعد الغضب خصوصاً إثر حادثة غرغور في نوفمبر 2013 عندما فتحت ميليشيا النار على محتجين سلميين في طرابلس يطالبون برحيلها، فسقط عشرات القتلى والجرحى، مما ولّد نقمة شعبية واسعة على وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة.

وفي يوليو 2022 بلغ الاحتقان الشعبي ذروته في حراك احتجاجي منسق اجتاح عدة مدن في الشرق والغرب معاً. اقتحم محتجون مقر مجلس النواب في طبرق وأضرموا النار في جزء منه، معبرين عن غضبهم من تعنت الطبقة السياسية وتردي الخدمات بعد 8 سنوات من ولايته. هتف المتظاهرون ضد جميع الأطراف رافعين شعار “الشعب يريد إسقاط جميع الحكومات”. وفي الوقت نفسه تجمع المئات في ميدان الشهداء بطرابلس في أكبر تظاهرة تشهدها العاصمة منذ سنوات، مردّدين شعارات تطالب بتحسين الكهرباء والمرافق ورحيل كافة السياسيين وإجراء الانتخابات فوراً. امتدت المظاهرات أيضاً إلى مصراتة وبنغازي والبيضاء ومدن أخرى، في مشهد غير مألوف يُظهر وحدة الليبيين في مواجهة معاناتهم بغض النظر عن خطوط التقسيم. ورفع المحتجون في طرابلس لافتات تحمل صور عدد من كبار المسؤولين (الدبيبة وباشاغا وعقيلة صالح وآخرين) وعليها علامات X حمراء، في رسالة واضحة لرفضهم الطبقة الحاكمة الحالية. لقد جسّد حراك صيف 2022 حالة الاستياء العارم من انقطاع الكهرباء وتفشي الفساد واستمرار الانقسام السياسي، رغم المخاطر الأمنية التي واجهها المتظاهرون في بلد تسيطر عليه فصائل مسلحة.

إلى جانب التظاهر في الميادين، لعب موقع التواصل الاجتماعي (خصوصاً فيسبوك) دوراً بارزاً كمتنفس للرأي العام. تصدّرت وسوم (هاشتاغات) مثل #ليبيا_تنتفض و*#لا_للتمديد* المشهد الرقمي في عدة مناسبات للدعوة إلى التغيير والانتخابات وإنهاء وجود الأجسام الانتقالية. كما استخدم الناشطون الشبكات الاجتماعية لفضح وقائع الفساد ونشر قوائم (مثل قائمة ابتعاث أبناء المسؤولين للدراسة بالخارج التي أثارت ضجة عام 2023)، أو تداول مقاطع تظهر انتهاكات الميليشيات. ورغم محاولات السلطات الحد من حرية التعبير الإلكتروني عبر ملاحقة بعض المدوّنين وتهديد آخرين، ظل الخطاب العام في الإنترنت ناقداً بجرأة لأداء الحكومات المتعاقبة ولأمراء الحرب الذين “أوصلوا البلد إلى الجحيم” بحسب وصف أحد المتظاهرين الشبان.

بشكل عام، يمكن القول إن الرأي العام الليبي اتسم بخيبة الأمل والنفاد الصبر. فبعد آمال التغيير في 2011، ثمّ التفاف شعبي حول الجيش في الشرق ضد الإرهاب في 2014، ثم الابتهاج باتفاقات الوحدة 2020-2021، انتقل المزاج الشعبي إلى الإحباط من الجميع مع شعور أن “الثروة النفطية لا تصل للشعب بل ينهبها الفاسدون”. وفي الاستطلاعات القليلة المتاحة، عبّر المواطنون عن تدني الثقة في كافة الأجسام السياسية. وتحول كثير من الليبيين إلى السخرية المريرة على منصات التواصل، وابتكروا نكاتاً ولغة خاصة لانتقاد الواقع، مثل وصف المسؤولين بـ”الحيتان” و”تجار الحروب“. كذلك برزت حركات شبابية عفوية تنظم حملات تنظيف أو إغاثة بعيداً عن الحكومة كنوع من احتجاج عملي على فشل الدولة، كما حصل بعد فيضانات درنة حيث قاد شباب متطوع جهود الإنقاذ في ظل غياب فاعلية السلطات.

ثالثاً: الجهات والأفراد المتورطون في الجرائم والفساد وعرقلة المسار السياسي

على مدار السنوات الماضية، ظهرت العديد من الجهات والجماعات والأفراد الذين تثار حولهم اتهامات بالتورط في انتهاكات جسيمة وجرائم بمختلف أنواعها، أو بالفساد المالي واستغلال المال العام، أو بمحاولات تعطيل العملية السياسية والانتقال الديمقراطي باستخدام القوة أو النفوذ. نستعرض فيما يلي أبرز تلك الفئات مع أمثلة موثقة من مصادر موثوقة:

  • جرائم حرب وانتهاكات حقوق الإنسان: تكاد لا تخلو جهة مسلحة في ليبيا من مزاعم بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين أو الأسرى. فقد وثقت تقارير أممية أن القوات الموالية لكل من حكومة الوفاق/الوحدة في الغرب وقوات الجيش الوطني في الشرق ارتكبت تجاوزات خطيرة خلال النزاعات. من الأمثلة ميليشيا الكانيات بمدينة ترهونة، التي ارتكبت خلال فترة سيطرتها (2015–2020) جرائم قتل وخطف ممنهجة؛ وبعد انسحابها كُشف عن مقابر جماعية مروعة ضمت رفات مئات الضحايا (أفراد عائلات بأكملها). ورغم توثيق هذه الجرائم ومباشرة السلطات تحقيقات، لم يُحاكم أي من قادة الميليشيا المتورطين حتى اليوم. كذلك اتُهمت عناصر من قوات حفتر بارتكاب إعدامات ميدانية وتعذيب للمعتقلين، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق ضباط مثل محمود الورفلي (الذي ظهر في مقاطع يصفي أسرى) قبل أن يُقتل لاحقاً في ظروف غامضة. كما اُتهمت قوات حفتر بزرع ألغام محظورة في الأحياء الجنوبية لطرابلس أثناء انسحابها 2020 مما أدى لمقتل وإصابة العشرات من المدنيين بعد وقف القتال. في الغرب أيضاً اتُهمت مجموعات مسلحة نافذة بعمليات خطف وتعذيب وابتزاز. على سبيل المثال، واجه جهاز الردع الخاص (قوة الردع) بقيادة عبد الرؤوف كارة اتهامات بإدارة معتقل سري بمطار معيتيقة يتم فيه احتجاز مئات الأشخاص تعسفياً وتعرضهم لسوء المعاملة. كما اتُهم جهاز دعم الاستقرار بقيادة عبد الغني الككلي (غنيوة) بالمسؤولية عن حالات تعذيب وقتل محتجزين، منها وفاة المواطن وليد الترهوني تحت التعذيب بعد خطفه في يوليو 2023. وتقع العديد من مراكز الاحتجاز (سواء الرسمية التابعة للدولة أو غير الرسمية) تحت سيطرة ميليشيات تستخدمها لاحتجاز خصوم أو ابتزاز أهاليهم. وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية في 2023 إلى وجود أنماط واسعة من القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد والاختفاء القسري في مرافق الاحتجاز على يد مجموعات مسلحة تابعة لجميع أطراف النزاع. وتشمل الانتهاكات أيضاً تهجير وتشريد جماعي كما حدث لسكان مدينة تاورغاء الذين هجّرتهم ميليشيات مصراتة عام 2011 انتقاماً من اصطفاف مدينتهم مع النظام السابق. وكذلك التطهير العرقي ضد بعض القبائل؛ مثلاً في بنغازي خلال حرب الكرامة، تعرّضت عائلات محسوبة على معارضي حفتر للتهجير القسري، ولا تزال أحياء كاملة مدمرة ومهجورة هناك. وأشارت تقارير حديثة إلى قيام قوات حفتر (مثل لواء طارق بن زياد الذي يقوده ابنه) في 2023 بطرد آلاف الأسر من مساكنهم في وسط بنغازي وهدم مبانيهم بحجة مشاريع تطوير دون توفير بدائل. ضمن الجرائم البارزة أيضاً استهداف النشطاء والصحفيين: حيث شهدت بنغازي وغيرها سلسلة اغتيالات لوجوه ثورية أو معارضة بين 2013–2014 قيدت ضد مجهول. وفي طرابلس خطفت ميليشيات في 2017 النائبة سهام سرقيوة بعد انتقادها هجوم حفتر على طرابلس، ولم يُكشف مصيرها حتى الآن. هذه الجرائم وغيرها أسهمت في إسكات أصوات المعارضة ونشر الخوف في المجتمع.
  • جرائم التهريب والاتجار بالبشر: تحولت ليبيا خلال العقد الماضي إلى بؤرة للتهريب المنظم، مستغلة ضعف الدولة وموقعها الجغرافي. تنشط شبكات لتهريب المهاجرين واللاجئين عبر الساحل الغربي إلى أوروبا، يشترك فيها زعماء ميليشيات وبعض الأجهزة الرسمية. وقد فرضت الأمم المتحدة عقوبات عام 2018 على ستة أفراد لضلوعهم في الاتجار بالبشر وتعذيب المهاجرين في مراكز احتجاز، بينهم عبدالرحمن الميلادي الملقب بـ“البيدجا” وهو قائد جهاز خفر سواحل في الزاوية ثبت تورطه في عمليات تهريب واستغلال مهاجرين. كذلك هناك ميليشيا الككلي (غنيوة) في طرابلس وشبكات قبلية في الجنوب تنشط في نقل المهاجرين عبر الصحراء. أما تهريب الوقود المدعوم فمثّل مصدر ثراء غير مشروع لكثير من المتنفذين؛ حيث يجري تهريب كميات هائلة من البنزين والديزل إلى دول الجوار أو بيعه للسفن في عرض البحر، بقيادة “مافيا” ترتبط أيضاً بميليشيات محلية. يُتهم في هذا النشاط قادة جماعات من الزاوية وزوارة بغرب البلاد، وأيضاً ضباط شرقين يسيطرون على مصادر الوقود. وقد قدّر ديوان المحاسبة حجم الخسائر بمئات الملايين سنوياً. وعلى الرغم من حديث السلطات عن حملات لمكافحة التهريب، إلا أن تلك الشبكات تتمتع بصلات نافذة تضمن لها الإفلات من العقاب غالباً.
  • الفساد المالي والإداري: استشرى الفساد في معظم مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، حيث استغل مسؤولون وقيادات عسكرية حالة الانقسام وضعف الرقابة لنهب المال العام وتضخيم ثرواتهم بشكل غير مشروع. وتشير تقارير محلية ودولية إلى اختلاس مليارات الدولارات عبر وسائل مختلفة مثل العقود الوهمية، والاعتمادات المستندية المزورة، وتهريب الأموال للخارج. ومن أبرز الملفات التي أُثيرت:
    • فساد القطاع الحكومي: طالت تهم الفساد عدة وزراء ووكلاء في حكومات ما بعد 2011. فعلى سبيل المثال، اعتقل النائب العام في 2021 وزير الصحة بحكومة الوفاق آنذاك (وعدد من مسؤوليه) بتهمة تبديد مال عام في عقود توريد أدوية ومستلزمات، وكذلك أوقف في 2022 وزير الصحة بحكومة الدبيبة علي الزناتي ونائبه للتحقيق في قضايا فساد مالي وإداري. كما فُتحت تحقيقات مع وزراء التعليم والخارجية وغيرهم في شبهات فساد تتعلق بإيفاد طلاب أو تعيينات دبلوماسية على أسس المحسوبية.أموال المجالس والمؤسسات السيادية: كشفت تقارير ديوان المحاسبة عن انتهاكات جسيمة، مثل صرف مكافآت ورواتب ضخمة غير مبررة لأعضاء المجالس التشريعية والتنفيذية، وإنفاق حكومات موازية لأموال عامة خارج الأطر القانونية. أيضًا واجه مصرف ليبيا المركزي اتهامات من الشرق بتبديد الاحتياطيات لصالح حكومة طرابلس وتمويل الميليشيات، بينما اتُهم فرع المصرف بالبيضاء بطباعة عملة دون تغطية وخلق ديون عامة.الأصول الليبية المجمدة في الخارج: أثيرت شبهات حول الاستيلاء على عوائد الأموال الليبية المجمدة (الخاصة بالمؤسسة الليبية للاستثمار مثلًا) خلال فترة الانقسام، عبر التلاعب بإدارة الأصول وتحصيل عمولات غير قانونية.قضايا التزوير والاختلاس: ظهرت فضائح مثل قضية تزوير اعتمادات مستندية لاستيراد سلع بأسعار مضخمة وتحويل الفارق لحسابات خاصة، والتي تورط فيها موظفون بالبنك المركزي وتجار مقربون من مراكز قوى. أيضًا، اتُّهمت الشركة العامة للكهرباء بوجود عقود صيانة وهمية ونهب أموال مخصصة لتحسين الشبكة.الأموال العسكرية: يلف الغموض ميزانيات القوات المسلحة وكبار قادتها. فمثلاً، يتهم خصوم حفتر أبناءه بالسيطرة على اقتصاد الشرق وإدارة استثمارات ضخمة من أموال الدولة. في عام 2017، اختفت أوراق نقدية بقيمة 650 مليون دينار وذهب بما يعادل 2 مليار دولار من فرع المصرف المركزي ببنغازي أثناء سيطرة قوات حفتر عليه، وبرر المحافظ الموالي لحفتر ذلك بتلف الأموال بمياه الصرف، إلا أن تقارير أممية أكدت أن حفتر وأبناؤه وراء اختلاسها. كما تحدث تقرير إذاعي فرنسي موثوق عن استخدام حفتر طائرة خاصة لتهريب سبائك ذهب من ليبيا إلى الخارج مقابل أموال لدعم آلته العسكرية.
    وتُظهر هذه الأمثلة كيف تحولت ليبيا إلى جنة للفاسدين مستغلين غياب الرقابة وضعف أجهزة إنفاذ القانون. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية والنائب العام، التي حققت بعض الأحكام والسجن لمسؤولين متورطين (مثل إدانة صديق عبدالكريم النائب السابق لرئيس الوزراء بالسجن 5 سنوات في 2023 لإساءة استعمال السلطة في تعاقدات عامة، وكذلك أحكام بسجن 13 مسؤولاً مصرفياً بتهم اختلاس في 2023)، إلا أن الفساد يظل مستشرياً. غالباً ما تنتهي قضايا الفساد بإطلاق سراح المتهمين أو أحكام مخففة بعد فترة من الدعاية، مما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.
  • عرقلة المسار السياسي والانتقال الديمقراطي: ارتبطت عرقلة الحلول السياسية في ليبيا بأفعال متعمدة قام بها بعض أصحاب النفوذ لإدامة سلطتهم أو إفشال خصومهم. ويمكن رصد عدة مستويات:
    • استخدام القوة العسكرية ضد العملية السياسية: وأوضح مثال محاولة حفتر السيطرة عسكرياً على طرابلس في 2019 بالتزامن مع ترتيبات أممية لعقد مؤتمر وطني جامع آنذاك. فقد نسفت هذه العملية الحوار السياسي وأعادت شبح الحرب الشاملة. مثال آخر هو هجوم ميليشيات مناوئة لحكومة الوفاق على مقار حكومية في طرابلس عام 2017 لإعادة حكومة الإنقاذ المقالة، مما خلق فوضى. كذلك قيام جماعات مسلحة باقتحام مقر مجلس الدولة بطرابلس أكثر من مرة لمنع انعقاد جلسات توافقية، أو خطف نواب لإجبارهم على اتخاذ مواقف معينة.
    • تعطيل الانتخابات والاستفتاءات: هناك شخصيات يُشتبه بأنها سعت لإفشال الاستحقاقات الانتخابية عندما لا تضمن نتائجها. إذ لم تنجح ليبيا في إجراء انتخابات وطنية منذ 2014. وفي انتخابات ديسمبر 2021 المؤجلة، وجّهت أصابع اللوم لرئيسي مجلسي النواب (عقيلة صالح) والأعلى للدولة (خالد المشري) لعدم التوصل لقانون توافقي ولطرح شروط إقصائية تهدف لإبعاد منافسين، مما ساهم في إفشال الانتخابات. أيضاً يُلاحظ أن عبد الحميد الدبيبة نفسه نكث بوعده بعدم الترشح، ثم ترشح للرئاسة مما عقّد المشهد وأثار جدلاً قانونياً ساهم في التأجيل. كل ذلك إلى جانب الخلاف حول أهلية حفتر وسيف القذافي قانونياً. بالمحصلة، عرقلت المناورات السياسية الانتخابات الحاسمة وأبقّت البلاد في مرحلة انتقالية مفتوحة.
    • استغلال القضاء لعرقلة الخصوم: شهدت ليبيا حالات مثيرة للجدل كحكم المحكمة العليا في طرابلس نوفمبر 2014 الذي قضى بحل مجلس النواب المنتخب بحجة إجراءات معيبة، والذي اعتبره كثيرون قراراً مسيساً ساهم في تكريس الانقسام. كذلك استصدر مجلس النواب في الشرق في 2023 قانوناً لإنشاء محكمة دستورية في بنغازي لإضعاف سلطة القضاء المركزي في طرابلس، لكن المحكمة العليا هناك أبطلت القانون لعدم دستوريته. هذه المناكفات القانونية تعكس سعي كل طرف لإضفاء شرعية قضائية على موقفه السياسي، وإن جاء ذلك على حساب استقرار القوانين والعملية الدستورية.
    • العبث بالمسار الدستوري: الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور التي انتخبها الشعب عام 2014 أنجزت مسودة دستور 2017، إلا أنها ووجهت بتعطيل متعمد – خاصة من قبل معسكر الشرق – بحجة عدم التوافق أو غياب التمثيل العادل. وحتى عندما حُدد موعد لاستفتاء الدستور 2018، حالت العراقيل الأمنية والقانونية دون إنجازه. ويُتهم بعض السياسيين بتعطيل الدستور لأن إقراره سينهي الأجسام الانتقالية التي يستفيدون منها.
    • تقسيم المؤسسات السيادية: أخيراً، تمثل إصرار بعض الأطراف على الإبقاء على مؤسسات منقسمة (مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وهيئة الرقابة وغيرها لفترة طويلة) نوعاً من عرقلة توحيد الدولة، إذ يصعّب ذلك أي توحيد للقرار الاقتصادي أو السيادي وبالتالي يعيق أي حكومة وحدة من بسط سلطتها على كامل التراب الليبي.

وخلاصة القول، تعدد المتورطون في هذه الأنشطة المعطِّلة للمسار السياسي من قادة ميليشيات يرفضون الخضوع لسلطة مدنية، إلى سياسيين يستغلون مناصبهم لتمديد الوضع الراهن، إلى قوى خارجية تدعم بالوكالة أطرافاً ليبية لمصالحها مما يؤجج الصراع ويعقّد الحل. هؤلاء جميعاً ساهموا في إطالة أمد الأزمة ومنع قيام دولة المؤسسات والقانون في ليبيا.

رابعاً: تصنيف الأطراف والشخصيات حسب طبيعة نشاطها

يمكن تصنيف الجهات الفاعلة (الرسمية وغير الرسمية) التي لعبت أدواراً في المشهد الليبي المضطرب ضمن فئات رئيسية حسب طبيعة نشاطها ونفوذها. الجدول التالي يستعرض تلك الفئات مع أمثلة لكل منها:

الفئةأمثلة لأبرز الشخصيات/الجهاتطبيعة الدور والنشاط
سياسية (مدنية)رؤساء الحكومات والمجالس: عبد الحميد الدبيبة (رئيس حكومة الوحدة)، فتحي باشاغا (رئيس حكومة موازية سابقة)، فايز السراج (رئيس المجلس الرئاسي السابق)، عقيلة صالح (رئيس مجلس النواب)، خالد المشري (الرئيس السابق لمجلس الدولة).
شخصيات نظام سابق: سيف الإسلام القذافي (مرشح رئاسي ونجل القذافي)، أحمد معيتيق (نائب رئيس المجلس الرئاسي السابق).
قادة سياسيون رسميون أو طامحون يتولون مناصب في الدولة أو يسعون إليها. بعضهم متهم باستغلال سلطته لتعزيز نفوذه أو عرقلة خصومه. تورط بعضهم في شبهات فساد (مثل مزاعم رشوة ملتقى الحوار لاختيار الدبيبة) أو في عرقلة جهود الاستقرار إذا تعارضت مع مصالحه.
عسكرية/ميليشياويةقيادات عسكرية بارزة: خليفة حفتر (القائد العام لـ”الجيش الوطني” في الشرق)، أسامة جويلي (قائد عسكري غرباً)، محمد الحداد (رئيس أركان الجيش التابع لحكومة طرابلس).
زعماء ميليشيات محلية: محمود الورفلي (قائد إعداميات في قوات حفتر)، عبد الغني الككلي “غنيوة” (قائد جهاز دعم الاستقرار بطرابلس)، عبد الرؤوف كارة (قائد جهاز الردع الخاص)، صلاح بادي (قائد ميليشيا مصراتيّة متهم بتفجير طرابلس 2018).
مرتزقة أجانب: قادة مرتزقة مجموعة فاغنر في ليبيا، قادة مجموعات سودانية وتشادية مسلحة في الجنوب.
أصحاب نفوذ عسكري يسيطرون على قوات أو ميليشيات. يتراوح نشاطهم بين قتال الإرهاب والجريمة المنظمة، وبين الاشتراك في حروب أهلية على السلطة. كثير منهم متهمون بانتهاكات لحقوق الإنسان (كالتصفية والتعذيب) وبارتكاب جرائم حرب دون محاسبة. البعض يخوض أيضاً أنشطة اقتصادية (كتهريب النفط والمعادن) لتمويل قواته.
مالية/اقتصاديةمسؤولون ماليون: الصديق الكبير (محافظ مصرف ليبيا المركزي)، علي الحبري (نائب المحافظ بالشرق).
رؤساء مؤسسات نفطية: مصطفى صنع الله (رئيس مؤسسة النفط السابق)، فرحات بن قدارة (الرئيس الحالي).
أثرياء حرب وتجار نفوذ: عبد الحكيم بلحاج (رجل أعمال وقائد سابق)، علي الدبيبة (رجل أعمال – ابن عم رئيس الحكومة – متهم بالفساد منذ النظام السابق).
شركات وكيانات: شبكة شركات الحرس القديم، وشركات يملكها قادة ميليشيات حاليون.
أفراد في موقع إدارة المال العام أو القطاع النفطي أو استفادوا من اقتصاد الحرب. دورهم يتجلى في عمليات الفساد والتهريب وتبييض الأموال. تقارير ديوان المحاسبة كشفت تورط بعضهم في اختلاس مباشر أو عبر وكلاء. كما أن العقوبات الدولية طالت بعض رجال الأعمال الذين مولوا النزاعات أو تورطوا في غسل الأموال.
إعلامية ودعائيةأصحاب قنوات ووسائل إعلام حزبية: محمود شمام (إعلامي ووزير إعلام أسبق يدير قنوات ممولة خارجياً)، سليمان دوغة (مدير قناة ليبيا الأحرار سابقاً) وآخرون يروجون لأجندات جهات معينة.
نشطاء التواصل المؤثرون: صفحات مثل “ليبيا 24” و“فبراير” الموالية لطرف، وصفحات موالية للطرف الآخر، ومدونون لديهم مئات الآلاف من المتابعين.
أذرع إلكترونية: كتائب إلكترونية تمولها جهات سياسية أو ميليشياوية لبث الدعاية أو التحريض ضد خصوم.
تلعب وسائل الإعلام المحلية دوراً في تأجيج الانقسام أو التهدئة حسب توجهها. العديد من القنوات انحازت لطرف ضد آخر، وأسهمت في الاستقطاب بخطاب الكراهية أحياناً. كما استُخدم الإعلام لتلميع صور متهمين بجرائم أو تبرير أعمال ميليشيات. كذلك كان للإعلاميين دور في كشف بعض ملفات الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، لكن كثيرين تعرضوا لضغوط وتهديدات.
قبلية/اجتماعيةزعماء قبليون بارزون: شيوخ قبائل مؤثرة مثل قبيلة الزنتان (بشير البصح، وغيره)، وورفلة، والمقارحة، والتبو (علي كنة، القيادي العسكري الجنوبي)، وأولاد سليمان في سبها، ومشايخ مصراتة، إلخ.
رابطات وتجمعات أهلية: مجالس أعيان في برقة وفزان وطرابلس، ورابطة ضحايا ترهونة.
يمكن لهؤلاء ممارسة نفوذ بتعبئة قبائلهم إما للقتال إلى جانب أحد الأطراف أو للمطالبة بمصالح خاصة. لعب بعض الشيوخ دوراً إيجابياً في المصالحات المحلية ووقف إطلاق النار بين القبائل، فيما انخرط البعض في الصراعات (مثلاً انحياز قبائل معينة لحفتر وأخرى لخصومه). بعض قادة الميليشيات استندوا إلى قبائلهم في دعمهم. كذلك ظهرت ظاهرة إجرامية قبلية في الجنوب كتنافس أولاد سليمان والتبو الذي شمل تهريباً ونزاعات دموية.
دينية/أيديولوجيةشخصيات إسلامية سياسية: مفتي ليبيا الصادق الغرياني (صاحب نفوذ عبر قناة التناصح وخطبه المثيرة للجدل بالدعوة أحياناً للجهاد ضد خصوم سياسيين)، قيادات جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، عبدالحكيم بلحاج (اسلامي سابق وقائد عسكري).
تيار السلفية المدخلية: مشايخ والتيار المدخلي الذين تبنوا دعم حفتر في الشرق وشاركوا في أجهزته الأمنية (كآمر قوة الشرطة الدينية في بنغازي الشيخ عشيوي) وآخرون في الغرب داخل قوة الردع.
جماعات جهادية: قادة جماعات متطرفة مثل أنصار الشريعة سابقاً (كأحمد أبوختالة المدان في قضية هجوم القنصلية الأميركية، ووسام بن حميد أحد قادة مجلس شورى بنغازي الذي قتل بالمعارك).
للخطاب الديني دور مزدوج؛ إذ استُخدم من قبل بعض المفتين والدعاة للتحريض ضد خصوم سياسيين أو تشريع العنف ضدهم (مثال: فتاوى الغرياني ضد قوات حفتر، وخطابات مشايخ مدخليين بتكفير خصوم حفتر). كما أن قادة الجماعات الجهادية ارتكبوا جرائم إرهابية كقتل وخطف وتعذيب مخالفيهم خلال سيطرتهم على مناطق بين 2012–2017. هذا التوظيف للدين في الصراع قوّض الاعتدال الديني وخلق شقاقات مجتمعية عميقة.

ملاحظات: تتداخل أدوار بعض الأفراد في عدة فئات؛ فكثير من السياسيين المدنيين لهم أذرع مسلحة أو تحالفات مع فصائل عسكرية، وبعض العسكريين مارسوا السلطة السياسية في مناطقهم (كالحاكم العسكري في الشرق خلال الحرب). وكذلك، شبكات الفساد تجمع شخصيات سياسية وعسكرية ورجال أعمال في تحالف مصلحة بغض النظر عن خلافاتهم المعلنة. ويشير خبراء إلى أن ليبيا تحكمها فعلياً “تحالفات أمراء الحرب والمال” الذين يقتسمون المنافع، ما يعيق قيام دولة القانون.

خامساً: أثر هذه الأطراف على وحدة الدولة والعدالة الانتقالية والمصالحة والاقتصاد ومستقبل الشباب

على وحدة الدولة:

أسهمت تحركات الأطراف المذكورة أعلاه في تقويض وحدة ليبيا أرضاً ومؤسسات. فازدواجية الحكومات والبرلمانات بدعم من قوى عسكرية متنافسة كرست الانقسام الجغرافي بين الشرق والغرب، وأيضاً الشمال والجنوب إلى حد ما. وبدلاً من العمل تحت راية دولة واحدة، تصرّف كل معسكر ككيان مستقل تقريباً، فأنشأ هياكل موازية (مصرف مركزي، مؤسسة نفط، جهاز قضائي). هذا الوضع أضعف الشعور بوحدة المصير بين الليبيين وزرع الريبة المتبادلة بينهم. فعلى سبيل المثال، بات سكان الشرق يشعرون بأن طرابلس تستحوذ على الثروة والسلطة، بينما يرى سكان الغرب في مشروع حفتر عسكرةً وديكتاتورية مرفوضة. كما أدت سيطرة ميليشيات محلية على مناطق معينة إلى نوع من الإقطاعيات المسلحة، إذ تفرض جماعة ما نفوذها على مدينة أو منطقة وتتعامل مع مؤسسات الدولة وفق مصالحها. لقد تآكلت سلطة الحكومة المركزية إلى درجة أنها لا تستطيع دخول بعض المناطق إلا بتفاهم مع القوة المسيطرة هناك.

إضافة لذلك، عرقلت هذه الأطراف جهود توحيد المؤسسات العسكرية والمدنية. ورغم تشكيل لجنة “5+5” العسكرية لتوحيد الجيش، إلا أن قادة الحرب المستفيدين من الانقسام حالوا دون دمج القوات تحت قيادة واحدة حتى الآن. كذلك فإن قوى الفساد التي تستغل الانقسام المالي حالت دون توحيد الميزانية العامة طوال سنوات، مما أبقى الإنفاق مشتتاً. كما أن التدخلات الخارجية زادت الشرخ، حيث دعمت أطراف دولية ومحلية خطاب الفيدرالية أو الانفصال أحياناً كورقة ضغط، وهو ما يهدد وحدة ليبيا الترابية مستقبلاً إذا استمرت حالة اللا دولة.

على العدالة الانتقالية:

تعرض ملف العدالة الانتقالية في ليبيا للتهميش بسبب تواصل الصراع واستمرار نفوذ المتورطين في الانتهاكات. فلم يحدث قط أن جرى توافق على آلية شاملة لكشف الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر عن الجرائم الماضية (سواء حقبة القذافي أو ما تلاها). سنّ المؤتمر الوطني العام عام 2013 قانوناً للعدالة الانتقالية، لكن لم يُفعل عمليا. والسبب أن الجهات المتورطة في الانتهاكات هي نفسها في الحكم أو تملك قوة تعطل بها أي مسار للمحاسبة. فالميليشيات وقادتها الذين ارتكبوا جرائم في حق مدنيين لا يزال كثير منهم يتقلد مناصب أو يمتلك سلطة سلاح تجعل مساءلتهم محلياً مستحيلة. كما أن المسؤولين المتورطين في الفساد يتمتعون بحماية شبكات المحسوبية ولا تُحال ملفاتهم للقضاء إلا نادراً. هذا أوجد شعوراً عاماً بانعدام العدالة لدى الضحايا وذويهم، ما يعرقل أي مصالحة حقيقية.

على مستوى القضاء الدولي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية كما أسلفنا مذكرات توقيف بحق شخصيات ليبية (مثل سيف الإسلام القذافي بتهم جرائم ضد الإنسانية عام 2011)، لكن لم يتم التسليم بسبب رفض الجهات التي تؤويه (سيف محمي لدى جماعة بالجنوب مثلاً) الامتثال. وأوصت بعثة تقصي الحقائق الأممية مؤخراً بضرورة إنشاء آلية دولية خاصة للمساءلة عن الجرائم الجسيمة في ليبيا لضمان عدم إفلات المرتكبين، لكن ذلك واجه فتوراً من السلطات. وإلى الآن، لا يزال الإفلات من العقاب هو القاعدة، حيث لم يُقتصّ من المسؤولين عن كثير من الفظائع (مثل مجزرة سجن أبوسليم 1996 أو اغتيالات 2014 أو مقابر ترهونة). هذا الوضع يعمّق الجراح الاجتماعية ويزيد من رغبة البعض في أخذ الثأر بأنفسهم بدلاً من انتظار العدالة، مما يهدد السلم الأهلي.

على المصالحة الوطنية:

عرقلت الأطراف النافذة مساعي المصالحة الوطنية الشاملة لحسابات سياسية وذاتية. فالمصالحة تتطلب الاعتراف بالانتهاكات والاعتذار والتعويض، وهو ما لا يرغبه من تلطخت أيديهم بالدماء أو الفساد. ورغم عقد مؤتمرات مصالحة برعاية المجلس الرئاسي (آخرها في نهاية 2021)، بقيت شكلية من دون نتائج ملموسة. بعض القبائل توصلت لمصالحات محلية (مثل مصالحة مصراتة وتاورغاء 2018، ومصالحات بين قبائل في الجنوب)، لكن غياب العدالة جعلها هشّة. فعلى سبيل المثال عاد مهجرو تاورغاء إلى مدينتهم لكن دون بنية تحتية ولا تعويضات كافية ولم يحاسب من هجّرهم. كذلك تم توقيع صلح قبلي بين الزنتان والمشاشية وبني وليد وغيرها، بوساطات أعيان، فتوقفت الثارات المسلحة لكن ظلت النفوس مثقلة طالما لم تكشف حقائق الانتهاكات ولم يُعاقب الجناة.

لعب أمراء الحرب والسياسيون دوراً سلبياً أحياناً بإذكاء خطاب الكراهية والانقسام، مما صعّب المصالحة. الإعلام المنحاز روّج لصورة أن الطرف الآخر خائن أو متطرف، وبالتالي رفضت قواعد شعبية قبول أي مصالحة معه. وعلى سبيل المثال، خطاب التخوين المتبادل بين الشرق والغرب (هذا عميل للإخوان، وذاك عميل لروسيا…) عقّد بناء الثقة. أيضًا شروط بعض الأطراف المسبقة (مثل مطالبة حفتر بإخراج الميليشيات في طرابلس كشرط للوحدة، أو مطالبة خصومه بإقصائه من أي دور) جعلت الوصول إلى تسوية متفق عليها أمراً بعيد المنال.

نتيجة لذلك، لا يزال النسيج الوطني مفككاً يعوزه مشروع مصالحة حقيقي. وبرغم المحاولات المحلية كإنشاء المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية، إلا أنه يفتقر للصلاحيات والإمكانيات. وغالباً ما يتم استغلال شعار المصالحة سياسياً بدون تنفيذ. وهذا ينعكس على تماسك الدولة، فبدون مصالحة لا يمكن تكوين جيش موحد أو حكومة مستقرّة مقبولة من الجميع.

على الاقتصاد:

كان تأثير أمراء الحرب والفاسدين كارثياً على الاقتصاد الليبي. فإضافة لما ذكرناه عن إغلاقات النفط وخسائرها الضخمة، أدت ممارسات النخب إلى إهدار موارد هائلة وتعطيل التنمية. الأموال التي وُجهت للإنفاق العسكري أو سُرقت في صفقات فساد حرمت الاقتصاد من فرصة الإعمار وتحسين الخدمات. مثلاً، خلال 2012–2020 قُدّر أن عشرات المليارات اختفت في دهاليز الإنفاق غير المشروع، سواء لدعم ميليشيات أو إثراء أفراد. كما فاقم أمراء الحرب ظاهرة اقتصاد الموازي أو “اقتصاد الحرب”، حيث نشأت أنشطة تهريب وابتزاز تحقق أرباحاً خارج إطار الاقتصاد الرسمي. هذا أضعف القطاع الخاص المشروع وضرب بيئة الاستثمار. فلا شركات أجنبية ترغب بالعمل في بلد مليء بالميليشيات والرشاوى، وبالتالي تعطلت مشاريع البنية التحتية (كمحطات الكهرباء المتعثرة).

علاوة على ذلك، تسبب الانقسام والنزاع في انخفاض قيمة الدينار الليبي بفعل تراجع الثقة، ما رفع أسعار السلع الأساسية وأضر بالمواطن البسيط. كما أن سيطرة جماعات مسلحة على المؤسسات الإيرادية (الجمارك، الموانئ، المصارف) خلق شبكات ابتزاز أنهكت التجار وزادت الأسعار. إن تحكم هؤلاء الفاعلين بمفاصل الاقتصاد جعل معدلات الفقر والبطالة ترتفع رغم موارد ليبيا الضخمة، ودفع الكثير من الشباب إما إلى الهجرة أو الالتحاق بأحد المعسكرين لكسب الراتب.

كذلك أثّر الفساد والاقتتال على البنية التحتية الحيوية: فالكهرباء مثلاً تدهورت لأن الأموال المخصصة للصيانة والوقود سرقت أو لأن محطات الكهرباء قصفت في الحروب. الطرق تهالكت ولم تُصنَّع، مشاريع الإسكان توقفت، المستشفيات خرج كثير منها عن الخدمة خصوصاً في مناطق النزاع كبنغازي وطرابلس وسبها. وبالتالي انعكس سوء الإدارة والنهب مباشرة على حياة المواطنين في شكل انقطاع تيار ونقص أدوية وغلاء معيشي.

على مستقبل الشباب:

ربما الشريحة الأكثر تضرراً من هذه الفوضى المزمنة هي الشباب الليبي. فبسبب أفعال الساسة وأمراء الحرب، وجد الشباب أنفسهم في بلد بلا استقرار ولا خطط تنمية، مما بدد طاقاتهم وآمالهم. اضطر قسم كبير منهم إلى حمل السلاح سواء اقتناعاً أو اضطراراً، وانخرط آلاف الفتيان في سن مبكرة في كتائب مسلحة يكتسبون عادات العنف بدلاً من التعليم والعمل المدني. تم تجنيد حتى الأطفال الجنود في بعض الميليشيات خلال المعارك، مما يشير إلى جيل نشأ وسط البنادق.

أما من اختار الطريق الآخر، فكثير منهم هاجر أو يحاول الهجرة. قوارب الموت إلى أوروبا مليئة بشباب ليبي فقد الأمل في بلده. وبعضهم توجه للدراسة أو العمل بالخارج ولا ينوي العودة في ظل الأوضاع الراهنة، مما يحرم ليبيا من الكفاءات المستقبلية. ومن بقي في الداخل، يعاني نسبة كبيرة من البطالة أو العمالة الهامشية (كسائق لدى ميليشيا أو حارس عند مسؤول). حتى رواد الأعمال الشباب يواجهون عقبات في بيئة خانقة يسيطر عليها محتكرو الاقتصاد من الحيتان.

نفسياً واجتماعياً، عاش الشباب عقداً من الصدمات: مشاهد العنف اليومية، فقدان أصدقاء وأقارب في الحروب أو الهجرة، غياب الشعور بالأمان في ظل انتشار الجريمة والسلاح. وأحد الانعكاسات الخطيرة لذلك هو تفشي بعض الظواهر السلبية بين الشباب، مثل تعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة التي صارت رائجة ورخيصة، والانخراط في عصابات سرقة وخطف بدافع المال في ظل انعدام الفرص، أو الانضمام للتنظيمات المتطرفة بحثاً عن معنى وهوية. كما تأثرت التربية والتعليم؛ فانقطاع الدراسة لفترات في بعض المناطق بسبب الحرب (كما حدث في بنغازي 2014-2017 حيث أغلقت جامعة بنغازي أبوابها أو نقلت مؤقتاً) أدى لضعف التأهيل العلمي لجيل كامل.

باختصار، حرم أمراء الحرب والفساد الشباب من البيئة الطبيعية لتحقيق طموحاتهم. بدلاً من ذلك ورّثوهم بلداً مثخناً بالجراح الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، ورغم هذا المشهد القاتم، يبقى لدى كثير من الشباب إصرار على إصلاح بلدهم، ويظهر ذلك في مبادرات تطوعية وشركات ناشئة صغيرة واحتجاجات مستمرة تطالب بالتغيير.

سادساً: ظاهرة الإفلات من العقاب ودور الجهات القضائية

تُعد الإفلات من العقاب من أبرز سمات المشهد الليبي منذ 2011، حيث نادراً ما يُحاسب المسؤولون عن الجرائم الخطيرة أو الفساد المستشري، مما شجّع على تكرار الانتهاكات. الأسباب متعددة، منها ضعف المؤسسات القضائية وضغط الجماعات المسلحة والانقسام السياسي.

واقع السلطة القضائية:

ورثت السلطة القضائية الليبية بعد الثورة تركة ثقيلة من غياب الاستقلالية وضعف الإمكانات. وعلى الرغم من محاولات إعادة تفعيل المحاكم والنيابات، فإن القضاء واجه تحديات هائلة. أبرزها انعدام الأمن: فكثير من القضاة وأعضاء النيابة تعرضوا لتهديدات أو اعتداءات مباشرة من قبل جماعات مسلحة إذا مسّوا مصالحها. بالفعل سُجلت حالات اغتيال قضاة (مثل القاضي عبدالسلام المسماري 2014) وخطف وكلاء نيابة، ما دفع عدداً كبيراً من رجال القضاء لالتزام الصمت أو مغادرة البلاد. كما عطّل الانقسام السياسي عمل المحكمة العليا لفترة، حيث أقفل مقرها في طرابلس بين 2014 و2021 بسبب وقوعه في منطقة نزاع، ونقل البرلمان اختصاصاتها لمحكمة بديلة في البيضاء، فازدوج القضاء الأعلى.

علاوة على ذلك، عمدت بعض الأطراف إلى تسييس القضاء باستصدار قوانين أو أحكام تخدم أجندتها (مثل إنشاء محكمة دستورية بالشرق كما ذُكر، أو أحكام إعدام صدرت غيابياً من محاكم عسكرية شرقاً ضد خصوم سياسيين من الغرب عام 2019). هذه الممارسات نالت من هيبة القضاء وثقة العامة فيه.

ضعف آليات المحاسبة:

يبلغ عدد السجون الرسمية في ليبيا 30 سجناً تقريباً تحت إدارة الشرطة القضائية، لكنها لا تضم سوى جزء من المحتجزين. فآلاف آخرون محتجزون في سجون سرية أو تابعة لميليشيات خارجة عن القانون. هذا يعني أن سلطة النيابة والقضاء لا تصل إلى هؤلاء المعتقلين، وكثير منهم مخفيون قسرياً. كما أن تحقيقات الجرائم الكبرى (مثل المقابر الجماعية أو مجازر الحرب) إما لا تكتمل أو تصطدم برفض تنفيذ أوامر القبض الصادرة. فعندما يُتهم قائد ميليشيا قوي، لا تجرؤ الشرطة على اعتقاله، وإن اعتقلته يتدخل فصيله بقوة السلاح لإطلاقه.

رغم ذلك، حقق مكتب النائب العام بعض الإنجازات في ملفات فساد محدودة بالسنوات الأخيرة، إذ أصدر أوامر حبس بحق وزراء ومسؤولين وضبط أموال منهوبة، لكن أغلب هذه القضايا تنتهي بتسويات أو إطلاق سراح كما أسلفنا، نتيجة الضغوط السياسية أو القبلية.

أما جرائم الحرب والانتهاكات، فتكاد المحاكم المحلية لم تلمسها. حصلت محاكمة وحيدة كبيرة عام 2015 في طرابلس لمسؤولي عهد القذافي (قضية البغدادي المحمودي وعبدالله السنوسي وسيف الإسلام – غيابياً)، صدر فيها أحكام بالإعدام، لكنها وُصفت من أطراف دولية بأنها تفتقر للمعايير القانونية السليمة وظلت الأحكام مجمدة. ولم تُعقد محاكمات تذكر تخص انتهاكات مرحلة ما بعد الثورة سوى محاكمات عسكرية انتقائية في الشرق ضد بعض المناوئين لحفتر، وهي بدورها تفتقد للشرعية بسبب إجرائها دون رقابة دولية وعلى أسس الولاء السياسي.

الإفلات من العقاب كنتيجة وسبب:

أدى كل ما سبق إلى حلقة مفرغة: بقاء الجناة أحراراً بل وصعود بعضهم لمناصب عليا (فالكثير من قادة الميليشيات المتهمة بالانتهاكات تم دمجهم في أجهزة أمنية رسمية بدل معاقبتهم، ومن نهبوا المال العام أصبحوا أصحاب نفوذ سياسي أو مالي). هذا عزز ثقافة أن القانون لن يطال القوي. فاستمرت الانتهاكات لأن مرتكبيها لا يخشون العاقبة. حتى العقوبات الدولية (كحظر السفر أو تجميد الأصول) التي فرضت على قلة من أمراء الحرب والمتاجرين بالبشر لم تكن رادعة كفاية، خاصة مع ضعف إنفاذها محلياً.

يضاف لذلك انقسام المنظومة القضائية: فالنيابة العامة في طرابلس قد تصدر أمر قبض على مسؤول في الشرق، لكن شرطة الشرق لن تنفذه والعكس صحيح. كذلك الشرطة الدولية (الإنتربول) أصدرت نشرات حمراء بحق أسماء ليبية، لكن بسبب عدم تعاون الأجهزة المحلية واستغلال المتهمين لحماية قبائلهم لم يتم التسليم.

إن غياب العدالة الحازمة زرع في نفوس المواطنين العاديين الشعور بالظلم. عائلات الضحايا الذين لم يُنصفوا ربما تسعى لأخذ حقها بيدها، ما ينذر بثأرات وزعزعة للسلم الأهلي. كما أن الإفلات من العقاب أضعف ثقة الناس في الدولة وجعلهم أقل استعداداً للمصالحة أو تسليم السلاح، لأنهم يرون مجرمي الأمس يحتفظون بنفوذهم اليوم.

دور الجهات القضائية المطلوبة:

رغم هذه الصورة القاتمة، يبقى الجهاز القضائي الليبي من الناحية النظرية أحد أعمدة الحل إذا نال الدعم والاستقلال. لذا يطالب الحقوقيون بأن يتم:

  • توحيد القضاء: الإسراع في توحيد المحكمة العليا ومكتب النائب العام وهيكلة القضاء تحت مظلة واحدة مستقلة عن التجاذبات، بحيث تُلغى الكيانات الموازية.
  • تأمين القضاة والمحاكم: وهذا يتطلب كبح جماح المجموعات المسلحة وفرض حراسة أمنية محترفة على المرافق القضائية، بل وربما الاستعانة بمراقبين دوليين لحماية المحاكمات الحساسة.
  • إصلاح القوانين وإجراءات العدالة الانتقالية: بما في ذلك تفعيل قانون العدالة الانتقالية المجمد، وإنشاء هيئة حقيقة ومصالحة بصلاحيات، وسن إطار قانوني لإشراك الضحايا في العملية القضائية.
  • التعاون الدولي: يجب أن تتعاون السلطات مع المحكمة الجنائية الدولية بتسليم المطلوبين لديها، مثل سيف الإسلام القذافي وغيره، وأيضاً طلب المساعدة الأممية في التحقيقات المعقدة (على غرار ما فعلته بعثة تقصي الحقائق التي قدمت أسماء لمسؤولين متورطين ينبغي ملاحقتهم). كما يُفترض ملاحقة الأموال المهربة بالعون الدولي لاسترجاعها ومحاسبة الفاسدين العابرين للحدود.

حقيقةً، لا يمكن الحديث عن استقرار في ليبيا دون بناء دولة قانون تكسر حلقة الإفلات من العقاب. وهذا يتطلب إرادة سياسية جماعية غائبة حتى الآن، لأن كثيراً من أصحاب القرار الحاليين يخشون أن يطولهم سيف العدالة إن فُعّل، وهنا لب المعضلة.

سابعاً: توصيات وآليات عملية لمواجهة التحديات

في ظل التشخيص أعلاه، من الواضح أن ليبيا بحاجة إلى حزمة إجراءات شاملة – رسمية وأهلية – لكسر الجمود ووضع البلاد على مسار التعافي. فيما يلي آليات وتوصيات عملية يمكن أن تسهم في معالجة التحديات المذكورة:

  1. إطلاق مسار عدالة انتقالية شامل: لا بد من تبني مشروع وطني للعدالة الانتقالية يحظى برعاية محلية ودعم دولي. يتضمن ذلك تشكيل هيئة حقيقة ومصالحة مستقلة تضم شخصيات مشهود لها (من القضاة والنشطاء)، تتولى جمع الأدلة والشهادات عن كافة الانتهاكات منذ 2011 (وربما قبلها بالنسبة لحقبة القذافي)، وإصدار توصيات بالمحاسبة أو العفو المشروط. تكون لهذه الهيئة صلاحية استدعاء المسؤولين للمساءلة العلنية – على غرار لجان الحقيقة في دول أخرى – وكشف الحقائق للشعب. كذلك تنظر في تعويض الضحايا مادياً ومعنوياً وضمان عدم التكرار. مثل هذه العملية ستواجه مقاومة من المتورطين، لكن دعم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لها قد يمنحها زخماً ويضمن حماية أعضائها. ويمكن بناءً على مخرجاتها إنشاء محاكم مختلطة (ليبية-دولية) للنظر في أخطر الجرائم على غرار محاكم سيراليون وكمبوديا، إذا تعذرت المحاسبة المحلية الكاملة.
  2. تفعيل دور القضاء الوطني وتحسين أدائه: ينبغي توفير موارد تدريب وحماية للقضاة ووكلاء النيابة، وربط أي دعم دولي للحكومة بمدى تعاونها في إعلاء سيادة القانون. يمكن مثلاً نشر مراقبين دوليين في المحاكمات الحساسة لضمان الشفافية. وعلى المجلس الأعلى للقضاء (بعد توحيده) تنقية السلك القضائي من العناصر الفاسدة أو المسيسة، والاستعانة بخبرات دولية في تطوير إجراءات التقاضي. كما يجب تسريع البت في قضايا الفساد الكبرى لضمان استرداد الأموال وإعادة توظيفها للصالح العام. ويمكن للنائب العام الاستفادة من اتفاقيات أممية لملاحقة الأموال المنهوبة عبر الحدود وإعادتها.
  3. دعم مبادرات التوثيق المدني: نظراً للظروف الصعبة للقضاء الرسمي، قامت منظمات مجتمع مدني محلية ودولية بجهود مهمة لتوثيق الجرائم. ينبغي دعم مبادرات مثل مشروع الأرشيف الليبي الذي يجمع الأدلة الرقمية عن انتهاكات حقوق الإنسان، ومنصة رصد الجرائم الليبية، ورابطة ضحايا ترهونة التي توثق المفقودين، ومنظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا (LFJL) التي تعمل على أرشفة الانتهاكات والتوعية القانونية. هذا الدعم يكون عبر التمويل والتدريب وتوفير غطاء قانوني لنشاطها. كما يجب خلق آلية رسمية لتلقي ما تجمعه هذه الجهات من أدلة وتضمينها في تحقيقات النيابة العامة. تعزيز التوثيق سيسد ثغرات الإثبات ضد الجناة ويصعب إنكار وقوع الجرائم.
  4. المساءلة المجتمعية والشعبية: يمكن إطلاق حملات مجتمعية لفضح الفاسدين والمجرمين سلمياً. على سبيل المثال، مبادرات “من أين لك هذا؟” التي يطالب فيها المواطنون المسؤولين بكشف ذممهم المالية ومصدر ثرواتهم، ويمكن لوسائل الإعلام الحرة تبنيها. أيضاً تشكيل لجان أهلية في كل مدينة لمتابعة أداء المجالس البلدية والدوائر الحكومية محلياً والإبلاغ عن أي فساد أو تجاوز للجهات القضائية والإعلام. الضغط الشعبي المنظم (عبر الاعتصامات القانونية والعرائض) يمكن أن يجبر السلطات على التحرك. لقد رأينا كيف اضطر الدبيبة لإيقاف قرارات ابتعاث أقارب مسؤولين بعد حملة غضب شعبية في 2023، وهذا نموذج لقوة الرأي العام إن تم توجيهه بشكل مستدام.
  5. إصلاح القطاع الأمني ودمج المجموعات المسلحة: بدون احتكار الدولة للسلاح ستبقى كل الجهود الأخرى هشّة. لذا يجب العمل على تفكيك الميليشيات أو دمجها تدريجياً في جيش وشرطة موحدين عبر خطة وطنية شاملة. يتضمن ذلك برامج DDR (تسريح ونزع سلاح وإعادة إدماج) للمقاتلين، بحيث يحصل الشباب المنخرط في التشكيلات على خيارات: إما الانضمام للمؤسسات الأمنية النظامية وفق معايير انضباط جديدة وتحت إشراف قيادة موحدة، أو العودة للحياة المدنية بدعم (مثل توفير فرص عمل وتدريب مهني ومشاريع صغيرة لهم). بالتوازي، إصدار قرارات صارمة بمنع حمل السلاح لغير الجهات المخولة وتجريم تكوين أي تشكيل خارج شرعية الدولة بدءاً من تاريخ محدد، مع إعطاء مهلة لتسليم الأسلحة الثقيلة. هذا الأمر يحتاج توافقاً سياسياً صلباً غير موجود حالياً، لكنه أساسي. يمكن الاستفادة من تجربة لجنة 5+5 العسكرية لجمع قادة الشرق والغرب على طاولة واحدة لتوحيد المؤسسة العسكرية تدريجياً. كما أن وجود بعثة مراقبين أممية لمراقبة عملية دمج القوات سيكون ضامنًا لجدّيتها.
  6. محاربة الفساد structurally: يجب الانتقال من رد الفعل إلى الفعل في مكافحة الفساد المستشري. وذلك عبر إجراءات مثل:
    • تحسين الشفافية المالية: إلزام الحكومة والمؤسسات بنشر تفاصيل الإنفاق العام والعقود المبرمة، وإعطاء دور أكبر لديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية لإصدار تقارير علنية ومتابعة توصياتها قضائياً مثلاً، يتم نشر تقرير ديوان المحاسبة السنوي للمناقشة العامة في مجلس النواب ووسائل الإعلام، ومساءلة المسؤولين الواردة مخالفاتهم فيه.
    • حماية المبلغين عن الفساد: بإصدار قانون خاص يوفر الحماية القانونية والوظيفية لكل من يبلغ عن واقعة فساد من داخل المؤسسات أو خارجها، وتشجيع ثقافة عدم التسامح مع الفاسدين.
    • رقمنة الخدمات الحكومية: كلما قل التماس البشري في الإجراءات الإدارية قلّت الرشوة. لذلك، التحول الرقمي في مؤسسات مثل الجمارك والجوازات والضرائب سيساهم في سد منافذ الفساد وتقليل الابتزاز البشري.
    • العقوبات الرادعة واستقلالية هيئة مكافحة الفساد: تفعيل دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومنحها صلاحيات تحقيق واسعة بعيداً عن الضغوط، وإنشاء محاكم خاصة بالفساد تكون إجراءاتها سريعة وعلنية، مع ضمانات الاستئناف طبعاً. وتشديد العقوبات على جرائم المال العام لتكون رادعة (كالسجن المشدد ومصادرة الممتلكات غير المشروعة).
  7. تعزيز المصالحة الاجتماعية محلياً: إلى جانب المسار الرسمي للمصالحة الوطنية، يجب دعم جهود المصالحة الأهليّة التي يقودها زعماء القبائل والنشطاء على الأرض. يمكن إنشاء صناديق محلية للديات والتعويضات بإشراف لجان مصالحات في المناطق التي شهدت نزاعات قبلية، لجبر الضرر المادي للمتضررين كخطوة نحو الصفح. أيضاً تنظيم مؤتمرات حوار مجتمعي على مستوى المدن والبلدات تجمع مختلف الأطياف (شباب، نساء، شيوخ، مهجّرين…) للحديث عن المظالم وسبل معالجتها. الحوار المباشر يبدد الصور النمطية عن “الآخر الخائن” ويعيد اكتشاف المشتركات. كما يمكن إشراك مؤسسات تقليدية (كالمجالس البلدية والأعيان) في متابعة تنفيذ أي اتفاقات مصالحة محلية والتأكد من التزام الأطراف بها.
  8. التركيز على تمكين الشباب وبناء المستقبل: لضمان عدم ضياع الجيل القادم، ينبغي إطلاق مبادرات عاجلة للشباب:
    • برنامج وطني للتوظيف والتدريب يوفر فرص عمل عاجلة في مشاريع البنية التحتية (طرق، كهرباء، اتصالات) بتمويل من خزينة الدولة وشركاء دوليين، مقابل التحاق الشباب العاطل بهذه المشاريع، مما يبعدهم عن إغراءات الميليشيات ويعيد إعمار البلاد.
    • دعم ريادة الأعمال: عبر صناديق قروض ميسرة ومسرّعات أعمال للشركات الناشئة، خصوصاً في مجالات التقنية والزراعة والخدمات، لتشجيع الابتكار وبقاء المواهب داخل الوطن.
    • تفعيل مراكز الشباب والثقافة: كثير من هؤلاء عانى صدمات نفسية، لذا توفير أنشطة رياضية وثقافية وترفيهية بإشراف مختصين سيساعدهم على التفريغ الإيجابي للطاقة بدلاً من الانحراف للعنف أو المخدرات.
    • إشراك الشباب في صنع القرار: مثلاً، تكوين مجالس شبابية استشارية في البلديات وفي الحكومة لإبداء الرأي في السياسات العامة المتعلقة بالشباب (التعليم، التوظيف، الأمن)، وكذلك تعديل القوانين لخفض سن الترشح البرلماني إلى 25 سنة لتجديد الدماء في الطبقة السياسية.
  9. الدور الدولي والإقليمي البنّاء: على الأمم المتحدة عبر بعثتها (أونسميل) ومجلس الأمن الاستمرار في دعم الحل السياسي الليبي الشامل ولكن مع اشتراطات مرتبطة بالنزاهة والمحاسبة. مثلا، جعل أي اتفاق سياسي جديد يتضمن بنداً واضحاً بخصوص آلية للعدالة الانتقالية وتطهير المؤسسات الأمنية. ويمكن لمجلس حقوق الإنسان الدولي إنشاء آلية متابعة بعد انتهاء ولاية بعثة تقصي الحقائق لضمان تنفيذ توصياتها. إقليمياً، ينبغي للاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية رعاية مبادرات مصالحة وطنية بعيداً عن التدخلات السلبية لبعض الدول. ولمَ لا يتم تعيين مبعوث إفريقي مع مبعوث الأمم المتحدة للتنسيق في ملف المصالحة والعدالة، ما دامت ليبيا دولة عضو في الاتحاد الإفريقي.
  10. رفع الوعي القانوني والمجتمعي: أخيراً، من المهم أن يستمر الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني في توعية الناس بحقوقهم وتشجيع ثقافة سيادة القانون. حملات إعلامية تشرح أهمية المحاسبة والعدالة الانتقالية بلغة بسيطة ستساعد على كسب تأييد شعبي أوسع لهذه المسارات، مما يصعّب على المعرقلين التحرك في الخفاء. ويجب إدراج مفاهيم التسامح وحقوق الإنسان في المناهج الدراسية الجديدة لتنشئة جيل يؤمن بالحوار والاختلاف السلمي.

ختاماً، إن تحقيق ما سبق ليس سهلاً في واقع ليبيا الحالي، لكنه ليس مستحيلاً. التجارب الدولية تُظهر أن المجتمعات الخارجة من نزاعات تحتاج مزيجاً من الضغوط والتنازلات للوصول إلى تسوية تاريخية تفتح صفحة جديدة. في الحالة الليبية، لا غنى عن ضغط شعبي داخلي مستمر يرفض العودة للحرب والفوضى، مدعوماً بـإرادة سياسية مخلصة من القيادات (تتشكل ربما تحت ضغط الشارع أو تغيير في موازين القوى)، ودعم دولي ملتزم بمنع المعرقلين ومعاقبتهم. قد يكون الطريق طويلاً وشاقاً، لكن البديل – أي بقاء الحال على ما هو عليه – أخطر بما لا يقاس على ليبيا وشعبها ومستقبل أجيالها.

وفي المحصلة، يبقى الأمل معقوداً على وعي الليبيين ووحدتهم في الضغط من أجل دولة القانون والمؤسسات؛ الدولة التي يتساوى فيها الجميع أمام قضاء مستقل، وتضمن توزيعاً عادلاً لثروات البلاد، وتطوي صفحة الماضي الأليم بالتسامح المبني على الحقيقة والإنصاف، كي تنطلق ليبيا أخيراً نحو الاستقرار والازدهار الذي تستحقه. فالتاريخ علمنا أن لا حرب تدوم إلى الأبد، ولا يمكن للظلم أن ينتصر على تطلعات الشعوب للعدل والسلام.

المصادر:

  • التقارير الدولية: تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش العالمي 2024 حول ليبياhrw.orghrw.orghrw.orghrw.org؛ تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية (2023)hrw.orggov.uk؛ تقرير وزارة الخارجية الأميركية لحقوق الإنسان في ليبيا 2023gov.ukgov.uk؛ بيانات مجلس الأمن والأمم المتحدة حول ليبياgov.ukgov.uk.
  • الصحافة الدولية والإقليمية: وكالة رويترز للأنباء (تقارير عن احتجاجات يوليو 2022 وغيرها)reuters.comreuters.com؛ موقع قناة الجزيرة الإخباريةreuters.com؛ موقع الشرق الأوسط (مقال عن تفاقم الفساد في ليبيا 2024)aawsat.comaawsat.com؛ موقع أصوات مغاربية (تقرير 5 قضايا فساد 2023)maghrebvoices.commaghrebvoices.com؛ الغارديان (مقال عن رشوة ملتقى الحوار لانتخاب الدبيبة)theguardian.comtheguardian.com.
  • الوثائق المحلية: تقارير ديوان المحاسبة الليبي وهيئة الرقابة الإدارية (ملخصات منشورة في الصحافة)aawsat.comaawsat.com؛ بيانات النائب العام الليبي حول قضايا الفساد الأخيرةaawsat.comaawsat.com؛ تصريحات مسؤولين ليبيين حول المصالحة والانتخابات (من اجتماعات رسمية).
  • منظمات المجتمع المدني: بيانات منظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا LFJL حول المساءلة؛ تقارير الرابطة الليبية لضحايا الانتهاكات؛ إصدارات المرصد الليبي لحقوق الإنسان.