Skip to main content

الفساد في القطاع الحكومي الليبي (2011–2025): تحليل شامل

19 مايو 2025

بعد ثورة فبراير 2011 ودخول ليبيا مرحلة انتقالية مضطربة، انتشر الفساد في مؤسسات الدولة بشكل غير مسبوق. أدّى ضعف أجهزة الرقابة والانقسام السياسي وغياب الاستقرار الأمني إلى تفشي مظاهر الفساد المالي والإداري في معظم الوزارات والهيئات والشركات العامة والمصالح التنفيذية. وصارت ليبيا ضمن الدول الأكثر فسادًا في العالم، حيث حلت في المرتبة 171 عالميًا عام 2022 بدرجة 17/100 على مؤشر مدركات الفساد، مما يعكس معاناة الدولة من فساد واسع النطاق. وقد أكدت تقارير ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد – إلى جانب تقارير إعلامية محلية ودولية – هذا الواقع الصادم، مما أثار غضبًا شعبيًا واسعًا وردود فعل دولية ومحلية منددة. سنستعرض فيما يلي أبرز مظاهر الفساد المالي والإداري في القطاع الحكومي الليبي خلال الفترة 2011–2025، مدعومة بالأمثلة الموثقة والأسماء الواردة بالتقارير الرسمية، مع بيان أثر هذا الفساد على أداء الدولة وثقة المواطنين، وكذلك جهود الرقابة والمحاسبة المبذولة وأهم التوصيات لمكافحته.

مظاهر الفساد المالي

  • التلاعب بالميزانيات: برزت حالات استغلال الميزانية العامة بطرق غير قانونية، سواء عبر تجاوز الصلاحيات في الصرف أو استخدام أموال مخصصة للطوارئ في غير محلها. على سبيل المثال، كشف ديوان المحاسبة أن مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية تجاوز السقف المحدد لمصروفاته وصرف من حساب الطوارئ على أمور لا تمت للطوارئ بصلة. كما سجلت هيئة الرقابة الإدارية في تقريرها لعام 2022 قيام الحكومة بتخصيص مبالغ هائلة دون اعتماد من مجلس الوزراء، مثل صرف 1.689 مليار دينار لمشروع تطوير مطار طرابلس الدولي و34 مليار دينار للمؤسسة الوطنية للنفط بدون موافقة مجلس الوزراء. هذه التصرفات تنطوي على انحراف جسيم عن الإجراءات القانونية وتدل على تلاعب متعمد بالميزانية لتحقيق مصالح خاصة أو مكاسب سياسية. وقد أدى تخفيض قيمة الدينار الليبي عام 2021 إلى موارد قياسية (105 مليار دينار) استغلت في إنفاق غير مُرشّد بدل توظيفها في إصلاحات حقيقية.
  • العقود الحكومية المشبوهة: سادت ظاهرة إبرام عقود بمبالغ ضخمة بطريقة مباشرة أو خارج الأطر الشفافة. ظهر ذلك جليًا في قطاع الكهرباء، حيث تجاوزت تعاقدات الشركة العامة للكهرباء 16 مليار دينار في عام 2021 وحده – أي ما يقارب نصف إجمالي العقود المبرمة للقطاع بين 2001 و2021 – دون حل مشكلة انقطاع الكهرباء. هذه العقود وُصفت بأنها مشبوهة نظرًا لغياب التنافسية والرقابة، خصوصًا مع استمرار أزمة الكهرباء المزمنة. أيضًا، أورد ديوان المحاسبة وقائع فساد في العقود الصحية، إذ تم التعاقد على توريد تجهيزات طبية بأسعار مبالغ فيها وبشكل غير شفاف. في إحدى القضايا، وُجد أن بعض الشركات المتعاقد معها وردّت معدات طبية غير مطابقة للمواصفات، وقَبِلها موظفون متواطئون رغم علمهم بالحقيقة. كما كشفت التقارير شراء جهات حكومية لمقتنيات فاخرة بأسعار باهظة عبر عقود مباشرة، مثل شراء ديوان رئاسة الوزراء لساعات فاخرة كهدايا للضيوف بقيمة 12 مليون دينار، وتعاقده على 25 سيارة فارهة لموكب رسمي بمبلغ يتجاوز 21 مليون دينار. هذه الأمثلة تؤكد وجود عقود حكومية مشبوهة تخدم مصالح شخصيات نافذة على حساب المال العام.
  • الرشوة والاختلاس: شاعت الرشوة كوسيلة لقضاء المعاملات في الإدارات العامة نتيجة ترهل الإجراءات وضعف الرقابة، فيما تجلّى الاختلاس في عدة قضايا موثقة. يتحدث المواطنون عن اضطرارهم أحيانًا لدفع رشاوى للحصول على خدمات إدارية بسيطة أو لتسريع إصدار الأوراق الرسمية – إحدى علامات تعطيل الإجراءات المتعمد الذي سنناقشه لاحقًا. أما جرائم الاختلاس فبرزت بشكل خطير في قطاع الصحة على سبيل المثال، حيث كشف مكتب النائب العام عن تورط مسؤولين في وزارة الصحة بحكومة الوحدة في التلاعب بعقود توريد معدات طبية واختلاس الأموال المخصصة لها. إحدى صور ذلك كانت التغاضي عن رفع سعر وحدات إنتاج الأكسجين بنسبة 1000٪ عن سعر السوق، مما دفع النائب العام إلى حبس وزير الصحة ونائبه احتياطيًا بتهم فساد مالي وإداري. وقد بينت التحقيقات وقوع ممارسات احتيال واسعة أضرت بالمال العام في عقود المستلزمات الطبية، شملت توريد معدات غير مطابقة للمواصفات وتزوير محاضر الاستلام للتغطية. ونتج عن هذه الممارسات ضرر مباشر لمرفق الصحة (توقف أو تعثر خدمات) إلى جانب منافع مادية غير مشروعة حصّلها المتورطون. تجدر الإشارة إلى أن النيابة العامة تمكنت من استرجاع ما يزيد عن 2.5 مليون دينار من الأموال المختلسة في إحدى القضايا، واستعادة جزء من التجهيزات التي دُفع ثمنها دون أن تُسلم، ما يظهر حجم الاختلاس المستشري وجهود معالجته.
  • التحويلات المصرفية غير المشروعة: استغل بعض المسؤولين الأدوات المصرفية لتهريب الأموال العامة إلى الخارج أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية. أبرز مثال على ذلك أوردَهُ تقرير ديوان المحاسبة لعام 2017، حيث تورّط مدير إدارة الرقابة على المصارف والنقد بمصرف ليبيا المركزي في استغلال منصبه لمنح موافقات غير قانونية على اعتمادات مستندية لصالح شركات محددة. وتبيّن أن مستندات الشحن المرفقة لفتح تلك الاعتمادات كانت مزورة بهدف تهريب العملة الصعبة للخارج. هذا يعني أنه تم استخدام التحويلات المصرفية (الاعتمادات) لتهريب أموال الدولة بواجهة استيراد وهمي أو بتواطؤ من مسؤول مصرفي. وفي سياق مرتبط، كشف ديوان المحاسبة في 2021 عن قيام رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق مصطفى صنع الله بتصدير شحنات من النفط خارج إطار الميزانية العامة بقيمة 16 مليار دينار (حوالي 3.5 مليار دولار). تم استبدال عائدات تلك الشحنات بشحنات محروقات لصالح السوق المحلي دون الإفصاح لوزارة الماليةalquds.co.uk، ما اعتبره الديوان انحرافًا جسيمًا وتعديًا على اختصاصات وزارة المالية. مثل هذه التحويلات غير المشروعة حرمت الخزانة العامة من إيرادات مستحقة وفتحت أبوابًا للهدر والفساد المقنّع تحت غطاء إجراءات مصرفية ملتوية.

مظاهر الفساد الإداري

  • المحسوبية في التوظيف: تُعد المحسوبية والوساطة في التعيينات أبرز أوجه الفساد الإداري في ليبيا منذ 2011. فقد توسع الجهاز الحكومي بشكل هائل عبر توظيف أعداد كبيرة من الأشخاص غالبًا دون حاجة فعلية أو مراعاة لمعايير الكفاءة، وإنما بناءً على الولاءات والصلات القبلية أو الجهوية. بنهاية عام 2021 بلغ عدد الموظفين المموّلين من الخزانة العامة أكثر من 2,024,000 موظف (أي حوالي ثلث سكان البلد!) بزيادة 244 ألف موظف عن العام السابق وحده. هذه القفزة الكبيرة في التوظيف خلال عام واحد فقط تعكس موجات من التعيينات العشوائية، إما لاسترضاء مجموعات معينة أو كسب ولاءات سياسية، دون اعتبار لعبء الأجور على الميزانية أو لحاجة المؤسسات الفعلية. ولعل ظاهرة الازدواج الوظيفي وتكرار المرتبات كانت من أخطر نتائج المحسوبية، حيث كشفت التقارير في السنوات الأولى بعد 2011 وجود آلاف الحالات لموظفين يتقاضون أكثر من مرتب من جهات مختلفة. دفع ذلك الدولة إلى محاولة المعالجة عبر قانون الرقم الوطني لعام 2014 الذي يربط صرف المرتبات بالرقم الوطني لمنع ازدواج الصرف. ورغم تقليص هذه الظاهرة لاحقًا، ما زال ملف التوظيف والمرتبات من أكبر التحديات أمام الحكومات الليبية المتعاقبة، حيث لا يزال التضخم الوظيفي والترهل الإداري قائمًا بسبب المحاصصة والمحسوبية. أضف إلى ذلك تعيين الأقارب ومعارف المسؤولين في مناصب إدارية عليا أو مكاتب دبلوماسية دون مراعاة لمؤهلاتهم، كما سجل ديوان المحاسبة إيفاد موظفين من خارج السلك الدبلوماسي للعمل في السفارات بالخارج بالمخالفة للقانون إرضاءً لتوصيات من مسؤولين نافذين. مثل هذه الممارسات أضعفت أداء المؤسسات بوجود كوادر غير مؤهلة أو فائضة عن الحاجة، وحجبت الفرص عن أصحاب الكفاءة الحقيقيين.
  • تعطيل الإجراءات الإدارية: يعاني المواطن الليبي من بطء الإجراءات وتعقيدها في الإدارات الحكومية، وهو ما يتداخل فيه الإهمال الإداري مع تعمّد بعض الموظفين تعطيل المعاملات لابتزاز المراجعين. تفشّي البيروقراطية الروتينية ب. فبدلًا من أن تكون الإدارات في خدمة المواطن، أصبح إنهاء أي معاملة – كاستخراج جواز سفر أو رخصة أو مستند رسمي – يستغرق وقتًا طويلاً ويتطلب المرور بطوابير من الموافقات. أحيانًا يعود السبب إلى نقص الانضباط الوظيفي وتعطل النظم الإدارية، وأحيانًا أخرى يكون التعطيل متعمَّدًا من قبل بعض الموظفين انتظارًا للحصول على رشوة لتسيير المعاملة. هذه الحالة دفعت الكثيرين للجوء إلى الواسطة أو الدفع غير القانوني لتسريع معاملاتهم، مما يُفقد الثقة بعدالة الجهاز الإداري. إضافة لذلك، أدت الانقسامات السياسية إلى تضارب التعليمات الإدارية أحيانًا بين الحكومات الموازية (خصوصًا خلال 2014–2020)، مما عرقل الإجراءات؛ وكذلك تعدد مراكز النفوذ (الميليشيات) التي أثرت على عمل بعض المصالح التنفيذية وعطّلتها خارج إطار القانون. كل ذلك ساهم في خلق بيئة يغلب عليها التعطيل بدل الإنجاز، وفتح الباب أمام الفساد الصغير المنتشر يوميًّا في المعاملات الإدارية.
  • إساءة استخدام النفوذ: تمثّل إساءة استغلال المنصب والنفوذ وجهًا آخر من أوجه الفساد الإداري شيوعًا. العديد من المسؤولين استغلوا مواقعهم لتحقيق منافع شخصية أو لخدمة مصالح أقاربهم ومحاسيبهم، مخالفين بذلك مبادئ النزاهة. من الأمثلة البارزة، تورط مسؤول رقابي في مصرف ليبيا المركزي – كما أسلفنا – باستغلال سلطته لإصدار توجيهات للمصارف التجارية بتمرير اعتمادات لصالح شركات معينة مملوكة لمعارفه، في تجاوز صارخ لصلاحياته وخرق لمبدأ الحياد الوظيفي. كذلك سجلت حالات قيام وزراء أو وكلاء وزارات بتمرير قرارات تعيين أو إيفاد لصالح مقربين دون وجه حق. تقرير ديوان المحاسبة 2021 أشار إلى تكليف مستشارين في رئاسة الوزراء دون عقود واضحة أو حتى التأكد من مؤهلاتهم، وبرواتب مرتفعة بلغت 7500 دينار شهريًا لكل منهم. هذا يعني أن جهات عليا عينت أفرادًا (ربما من المحسوبين عليها) في مناصب مستشار لاستغلال بند المرتبات، دون حاجة فعلية أو إطار قانوني منظم. أيضًا، رصدت هيئة الرقابة الإدارية في 2022 عدم تناسب مؤهلات بعض الموظفين المكلّفين بإدارة التواصل والإعلام في رئاسة الوزراء مع طبيعة أعمالهم، مما يلمح إلى أن التعيين تم بناءً على الواسطة وليس الكفاءة. من صور إساءة النفوذ كذلك استخدام المال العام للمحاباة؛ فمثلاً تخصيص بطاقات دفع مسبق وكوبونات وقود لبعض الموظفين المحظيين في مجلس الوزراء، وصرف عهد مالية بلا حسيب ولا رقيب، هي امتيازات غير مستحقة تُمنح لمن لهم اتصال بالمسؤولين. كل ذلك يعمّق ثقافة الإفلات من العقاب ويشجع مسؤولين آخرين على استغلال نفوذهم بطرق ملتوية، ما دامت المساءلة ضعيفة.

أمثلة وقضايا فساد موثقة

فيما يلي أمثلة بارزة لقضايا فساد مالي وإداري تم الكشف عنها خلال 2011–2025، مع ذكر المسؤولين أو الجهات المتورطة – حسب التقارير الرسمية أو المصادر الإعلامية الموثوقة – ونوع الفساد وفترة حدوثه. تجدر الإشارة إلى أننا نميز بين وقائع موثقة رسميًا (صادرة عن ديوان المحاسبة أو هيئة الرقابة أو تحقيقات النيابة) وبين مزاعم متداولة إعلاميًّا أو مجتمعيًّا لم تثبتها أدلة رسمية بعد.

المسؤول/الجهةأبرز مخالفات الفساد المنسوبةالفترة/التاريخ
ديوان رئاسة الوزراء (حكومة الدبيبة)تجاوزات مالية جسيمة؛ إنفاق من حساب الطوارئ في غير محله، وتعيين مستشارين دون إجراءات، وشراء 25 سيارة فارهة (بقيمة 21 مليون د.ل) وهدايا فاخرة (ساعات بـ12 مليون د.ل) لضيوف رسميينalquds.co.ukalquds.co.uk2021 م
عبدالحميد الدبيبة – رئيس حكومة الوحدة الوطنيةإساءة استخدام المال العام؛ مصاريف ترف وبذخ (مثل تكلفة جناحه الخاص وضيافته التي بلغت 1.6 مليون د.ل في شهر واحد) على حساب الخزانةalquds.co.ukalquds.co.uk2021 م
رمضان أبوجناح – نائب رئيس حكومة الوحدةإنفاق غير مبرر؛ تكلفة إقامته في فندق المهاري بطرابلس تجاوزت 337 ألف د.ل خلال 3 أشهر فقطalquds.co.uk (بررها لاحقًا بأنها مكاتب مؤقتة للموظفين)alquds.co.uk2021 م
مصطفى صنع الله – رئيس مؤسسة النفط السابقتجاوز صلاحيات جسيم؛ تصدير نفط خارج الميزانية بقيمة تقارب 16 مليار د.ل واستبداله بمحروقات دون إيداع الإيراد في الخزانةalquds.co.uk (اعتبره ديوان المحاسبة إضرارًا بالمال العام وانحرافًا عن ولاية المالية)2019–2020 م (ورد بالتقرير 2021)
الشركة العامة للكهرباء (GECOL)فساد تعاقدي وإداري؛ إبرام عقود تفوق 16 مليار د.ل في سنة واحدة (2021) رغم استمرار أزمة انقطاع الكهرباءalquds.co.uk، بما يشير لهدر الأموال دون حل المشكلة، إضافة إلى حصولها على مبالغ بالعملة الصعبة (77.7 مليون يورو) دون موافقة حكوميةatlibya.com2014–2021 م (متراكم)، ذروة 2021
عمران القيب – وزير التعليم العالي السابقإساءة استعمال السلطة والمال العام؛ شراء هواتف نقالة فاخرة كهدايا بقيمة 255 ألف د.ل (منها 155 ألف لشراء آيفون 13 برو ماكس) لأعضاء لجان بالوزارة دون مبررalquds.co.uk2021 م
علي الزناتي – وزير الصحة بحكومة الوحدة وسمير كوكو نائبهشبهات فساد مالي وإداري خطيرة في وزارة الصحة؛ شملت توريدات بأضعاف السعر الحقيقي (رفع سعر معدات طبية بنسبة 1000٪)aawsat.com واختلالات في تعاقدات المستشفيات. أمر النائب العام بحبسهما احتياطيًا في مطلع 2022 على ذمة التحقيقaawsat.com2021 م (أحيل للقضاء 2022)
خمسة مدراء مستشفيات وسبعة مسؤولين آخرين بوزارة الصحةاختلاس وتزوير؛ تبين من التحقيقات توريد معدات طبية غير مطابقة للمواصفات والتوقيع على محاضر استلام مزورة بالتواطؤaawsat.com، ما أدى لهدر مالي وأضرار للمرضى. تم حبس 12 مسؤولاً احتياطيًا بقرار النائب العامaawsat.com2022 م
الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلاميةسوء إدارة وإنفاق; إبرام عقد لتوريد زي عربي (لباس تقليدي) بقيمة 700 ألف د.ل دون مستندات تثبت استلام الكمية كاملةalquds.co.uk. ديوان المحاسبة أشار إلى عدم وجود حاجة واضحة أو طلب رسمي يبرر الكمية المتعاقد عليهاalquds.co.uk2021 م
قطاع السلك الدبلوماسي – وزارة الخارجيةتضخم إنفاق ومخالفات وظيفية؛ ارتفعت الرواتب السنوية للدبلوماسيين بالخارج من $256 مليون عام 2020 إلى $800 مليون عام 2021 (زيادة بنحو $544 مليون في سنة)alquds.co.uk، مع تخصيص مبالغ إضافية (303 مليون د.ل) لباب النفقات التسييرية للبعثات بزيادة 304٪ عن العام السابقalquds.co.uk. كما تم إيفاد موظفين من خارج السلك وتسكينهم في السفارات بالمخالفة للقانونalquds.co.uk2021 م
مدير إدارة الرقابة على المصارف – مصرف ليبيا المركزياستغلال نفوذ ومحاباة؛ التدخل لدى مصارف تجارية لتمرير اعتمادات مستندية لصالح شركات معينة بوثائق مزورةlegal-agenda.comlegal-agenda.com، مما يشير لعمليات تهريب للعملة وفساد مالي مستتر داخل المنظومة المصرفية (أحال ديوان المحاسبة القضية للنيابة)2014–2017 م (ورد بتقرير 2017)

ملاحظة: الأمثلة أعلاه مأخوذة من تقارير رقابية رسمية أو تحقيقات قضائية. في المقابل، هناك العديد من الاتهامات المتداولة إعلاميًا التي لم يصدر بشأنها تقارير رسمية بعد، مثل مزاعم استفادة بعض العائلات النافذة من عقود إعادة الإعمار أو تهريب أموال النفط عبر الحكومات الموازية خلال فترة الانقسام. هذه المزاعم يُروج لها في وسائل الإعلام ومن قبل نشطاء المجتمع المدني، لكنها تتطلب أدلة وتحقيقات رسمية للتثبت منها. لذا ركزّنا على الوقائع الموثقة رسميًا قدر الإمكان. على سبيل المثال، يُتَّهم كثيرًا أن عائلة الدبيبة (ومنهم مسؤولون حاليون) استفادت من عقود حكومية كبيرة عبر المحاباة وتعطيل المنافسين، ولكن إثبات ذلك قضائيًا لا يزال قيد المتابعة. كذلك شاعت اتهامات حول اختفاء أموال ضخمة (قدّرها البعض بحوالي 200 مليار دولار) خلال العقد الماضي نتيجة الفساد، غير أن هذه الأرقام تقديرية وتحتاج لتدقيق رسمي.

أثر الفساد على الأداء العام للدولة

للفساد المستشري أثار مدمرة على أداء مؤسسات الدولة وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلًا عن تقويض ثقة المواطن في أجهزته الحكومية:

  • تدهور الخدمات العامة: despite إنفاق مليارات الدنانير من المال العام، تراجعت نوعية الخدمات الأساسية. في قطاع الكهرباء، مثّل الفساد أحد أهم أسباب استمرار أزمة انقطاع التيار. ورغم صرف عشرات المليارات على مشروعات توليد الكهرباء وصيانتها منذ 2011، لا تزال الشبكة الكهربائية عاجزة عن تلبية الطلب، مما أجبر المواطنين على احتجاجات ضد انقطاع الكهرباء صيف 2022 في طرابلس ومدن أخرى. التقارير تشير إلى أن قطاع الكهرباء أصبح مجالًا مربحًا للفاسدين، حيث تم ضخ الأموال في عقود ومشاريع دون تنفيذ حقيقي، مما أطال أمد الأزمة. كذلك قطاع الصحة عانى بشدة؛ فعلى الرغم من الميزانيات المخصصة للمستشفيات وشراء الأدوية، يشكو المواطن الليبي من نقص الدواء وضعف الخدمات العلاجية. وقد تبين أن مليارات الدولارات صُرفت على أدوية ولقاحات لم تصل أصلًا إلى مرافق الصحة، نتيجة سرقات وفساد سلاسل التوريد، مما ترك المستشفيات دون مستلزمات وكوادرها بلا موارد كافية. وفي قطاع التعليم، انعكس الفساد على البنية التحتية المتهالكة للمدارس وتأخر توفير الكتب والمعدات التعليمية، إلى جانب تعيين مدرسين غير مؤهلين عبر الوساطات. كما أن مشاريع صيانة المدارس أو بناء مؤسسات تعليمية جديدة كثيرًا ما تعطلت أو نفذت بجودة متدنية بسبب الرشاوى وضعف الإشراف الفني. قطاع البنية التحتية عمومًا شهد تعثرًا كبيرًا؛ مشاريع الطرق والمطارات وشبكات المياه إما تأخرت بشكل مزمن أو ظهرت فيها عيوب جسيمة رغم صرف الأموال، نتيجة سوء الإدارة والفساد. مثال ذلك إعادة إعمار مطار طرابلس الدولي التي رُصد لها 1.7 مليار د.ل دون خطة شفافة وما زال المطار غير مكتمل التشغيل حتى الآن. باختصار، أفرغ الفساد المالي موارد هائلة كان يمكن أن تُحدث نهضة في الخدمات العامة، وحوّلها إلى مكاسب خاصة، فكانت النتيجة مباشرة: خدمات رديئة أو غائبة رغم الإنفاق الضخم.
  • انهيار ثقة المواطنين بالمؤسسات: أدّى تفشي الفساد دون محاسبة جادة إلى تآكل ثقة الليبيين في حكوماتهم ووزاراتهم. كثير من المواطنين باتوا ينظرون إلى المسؤول الحكومي باعتباره يسعى للمنفعة الذاتية لا لخدمة الشعب. وقد تراكم هذا الشعور عامًا بعد عام، لا سيما مع تكرار الكشف عن فضائح الفساد في كل القطاعات دون رؤية عقوبات رادعة. تراجعت الثقة إلى حد خرج فيه الليبيون في مظاهرات غاضبة مرارًا – كما في احتجاجات صيف 2022 التي طالت مقر البرلمان في طبرق وأخرى في طرابلس – رفعوا فيها شعارات ضد جميع الطبقة السياسية متهمين إياها بالفساد والفشل في تأمين أبسط احتياجاتهم. أضحى الغضب الشعبي يسير في وتيرة تصاعدية مع كل أزمة خدمات أو انقطاع كهرباء أو سيولة، معتبرًا الفساد سببًا جوهريًا وراء هذه الأزمات. كذلك المجتمع الدولي فقد الثقة بقدرة المؤسسات الليبية على إدارة الأموال بشفافية، مما أثّر على برامج الدعم الدولي والتعاون الاقتصادي. وعلى الصعيد الداخلي، ضعف الولاء للدولة لدى المواطن الذي يشعر أن حقوقه وخيراته تُنهب أمام عينيه. وأصبحت هناك فجوة خطيرة بين المواطن والمؤسسة، انعكست سلبًا حتى على مستوى الالتزام العام – فمثلاً عزف البعض عن دفع الضرائب أو فواتير الخدمات معتقدين أنها ستُسرق، وتراجعت المشاركة في الانتخابات خوفًا من عودة نفس الوجوه الفاسدة. باختصار، الفساد هزّ أسس العقد الاجتماعي في ليبيا، فالدولة التي يُفترض أن ترعى مصالح الناس باتت في نظر كثيرين أداة للإثراء غير المشروع، مما يستدعي إجراءات جذرية لإعادة بناء الثقة.

جهود الرقابة والمحاسبة

أمام هذا الواقع، حاولت عدة جهات رقابية وقضائية كبح جماح الفساد ومحاسبة المتورطين، بالرغم من الصعوبات والتجاذبات السياسية:

  • ديوان المحاسبة الليبي: يمثل أعلى هيئة رقابية مالية في الدولة، وقد لعب دورًا محوريًا في كشف التجاوزات. منذ 2011 وحتى 2025 واظب الديوان على إصدار تقارير سنوية تفصيلية توثق حالات الهدر والفساد في الأجهزة الحكومية. تقاريره – التي أحيانًا تجاوزت ألف صفحة كما في تقرير 2017 – أصبحت مصدراً هامًا لإطلاع الرأي العام على الفساد المستشري. وقد أبرز الديوان في تقاريره أغلب المؤسسات دون استثناء وقدم تقييمًا لأدائها المالي ومدى التزامها بالقوانين. على سبيل المثال، كشف تقرير 2017 عن هدر مالي بلغ 277 مليار دينار خلال خمس سنوات (2012–2017) عبر عدة حكومات، مما شكل صدمة كبرى وافتتح نقاشًا وطنيًا حول ضرورة كبح هذا النزيف. وتناول الديوان بجرأة مصاريف كبار المسؤولين (إقامات فندقية، طائرات خاصة، أثاث فاخر… إلخ) مما وضع هؤلاء تحت ضغط شعبي وإعلامي. يتمتع ديوان المحاسبة بصلاحية إحالة ما يثبت لديه من مخالفات إلى الجهات المختصة (النائب العام أو هيئة الرقابة)، وقد أحال فعليًا ملفات عديدة خلال العقد الماضي. لكن عمل الديوان لم يخلُ من التحديات؛ فقد تأثر أحيانًا بالانقسام السياسي (ظهور حكومتين متوازيتين 2014–2020)، حتى أنه استخدم تعابير كـ”حكومة طرابلس وحكومة البيضاء” في أحد تقاريره مما أثار انتقادات حول ضرورة التزامه المهنية والحياد. كما واجه الديوان انتقادات من مصرف ليبيا المركزي نفسه، حيث اتهمه الأخير بعدم الموضوعية في بعض الملاحظات. ومع ذلك، يظل ديوان المحاسبة ركيزة أساسية في كشف الفساد، وتأثير تقاريره الإعلامي كبير إذ كثيرًا ما تتصدر عناوين الصحف ونقاشات الشارع، وتضع المسؤولين في موقف محرج يستدعي الرد أو التبرير.
  • هيئة الرقابة الإدارية: هي الجهة المختصة بالرقابة على الأداء الإداري وتصويب المخالفات الإجرائية. ركزت الهيئة خلال الفترة 2011–2025 على رصد مخالفات التوظيف والترقيات والتعاقدات الإدارية ومدى التزام الجهات الحكومية بالقوانين التنظيمية. تصدر الهيئة تقارير دورية وسنوية، وقد كشف تقريرها لعام 2022 (الصادر في 2023) عن “تغوّل الفساد” داخل المؤسسات الليبية بدرجة خطيرة. حيث وثّق التقرير استمرار عمل حكومة الوحدة بدون خطة سنوية واضحة، ورصد عشرات المخالفات مثل: تخصيص مبالغ طائلة من بند الطوارئ في غير موضعها، ومنح شركة الكهرباء أموالًا بالعملة الصعبة دون موافقة، وتخصيص مئات الملايين لمشاريع (كمطار طرابلس أو ملحقيات تعليمية في الخارج) دون إقرار حكومي. كما أشارت الرقابة الإدارية إلى توسع مجلس الوزراء في الإنفاق خارج الميزانية المعتمدة (كصرف 57 مليون دينار لشراء أضاحي العيد دون موافقة مجلس الوزراء) وشراء سيارات وامتيازات لموظفين دون ضوابط. وتقوم الهيئة أيضًا بتلقي شكاوى المواطنين بشأن التعطيل أو الفساد الإداري والتحقيق فيها، وقد أصدرت تعليمات ملزمة للجهات – منها وقف صرف أي مرتب لا يحمل رقمًا وطنيًا لضبط ازدواجية المرتبات. ومؤخرًا، بادرت الهيئة بإعداد الخطة الإستراتيجية الوطنية للرقابة على الأداء ومكافحة الفساد (2025–2030) بالتعاون مع حكومة الوحدة الوطنية، بهدف وضع إطار إصلاحي شامل للإدارة العامة. هذه الاستراتيجية الوطنية – التي وُقعت بروتوكولاتها في ديسمبر 2024 – تمثل أول خطة من نوعها في ليبيا لتعزيز النزاهة والوقاية من الفساد في القطاع الحكومي، وتنظيم العمل الرقابي وفق معايير حديثة. يعكس ذلك إدراكًا رسميًا لضرورة التحرك الاستراتيجي، خاصة بعدما أقر رئيس الحكومة نفسه بأن الإنفاق الموازي غير الخاضع للرقابة وصل 40 مليار دينار عام 2024 (أي ما يعادل كامل ميزانية التنمية السنوية)، في إشارة إلى الإنفاق الذي تقوم به جهات خارج رقابة الديوان خلال الانقسام.
  • هيئة مكافحة الفساد: أُنشئت بموجب قانون سنة 2014 كجهاز مستقل يهدف لترسيخ الشفافية والتحقيق في قضايا الكسب غير المشروع. رغم التسمية الواعدة، عانت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من ضعف الفاعلية وقلة الموارد، ولم تلعب دورًا بارزًا ملموسًا مقارنة بديوان المحاسبة والرقابة الإدارية. جزء من التحدي كان اضطراب المشهد السياسي والأمني الذي أعاق تمكين الهيئة؛ كما أن كثيرًا من الملفات أحيلت مباشرة من الديوان للنيابة دون المرور بهيئة مكافحة الفساد. ومع ذلك قامت الهيئة بعدة خطوات، منها إطلاق موقع لتلقي إقرارات الذمة المالية لبعض المسؤولين، ومحاولة بناء قواعد بيانات عن قضايا الفساد. لكن يُلاحظ غياب تقارير علنية منتظمة صادرة عن الهيئة خلال العقد الماضي، ما أثّر على شفافيتها أمام الجمهور. ومع إطلاق الإستراتيجية الوطنية الجديدة 2025–2030، يُؤمل أن تُفعّل الهيئة بدور أكبر ضمن منظومة مكافحة الفساد الشاملة.
  • النائب العام والقضاء: تُعتبر مكتب النائب العام الجهة المخولة بتحريك الدعاوى الجنائية ضد المتهمين بالفساد. خلال السنوات الأخيرة، برز المستشار الصديق الصور (النائب العام الحالي) بنهج أكثر حزمًا نسبيًا، حيث فتح عدة تحقيقات وأصدر أوامر قبض بحق مسؤولين كبار. ففي أوائل 2022 أصدر النائب العام أمرًا بحبس وزير الصحة علي الزناتي ونائبه احتياطيًا على ذمة قضايا فساد كما أسلفنا، ولاحقًا في 2023 أمر بحبس 12 مسؤولًا في قطاع الصحة (5 مدراء مستشفيات و7 مسؤولين بوزارة الصحة) لتورطهم في قضية اختلاس كبرى. كذلك قام النائب العام بكشف ملفات فساد في قطاع النفط والكهرباء وأحالها للقضاء. وقد لاقت هذه التحركات ترحيبًا مجتمعيًا واسعًا، حيث اعتبرها المواطنون بادرة أمل لمحاسبة جدية تطال الفاسدين أيًا كانت مناصبهم. وأكد النائب العام مرارًا أن لا حصانة للفاسدين، مشددًا على تعبئة كل الإمكانيات لضبطهم واسترجاع الأموال العامة. وفعلاً أثمرت بعض التحقيقات عن استعادة مبالغ وأصول كما ذكر آنفًا في قضية الصحة. غير أن مسار القضاء لم يكن سهلًا ولا سريعًا، فكثيرًا ما انتهت عمليات الحبس الاحتياطي بالإفراج دون أحكام رادعة. يعود ذلك لأسباب متعددة: ضغوط سياسية أو جهوية للإفراج عن المتهمين، ضعف الأدلة أو استكمال الملفات، أو حتى تهديد بيئة القضاة في ظل وجود مجموعات مسلحة. وبالتالي، على الرغم من تكرار توقيف وزراء ومسؤولين طيلة السنوات الماضية، إلا أن الإدانات القضائية النهائية نادرة وكانت غالبًا بأحكام مخففة. ومع هذا، يظل تفعيل دور النيابة العامة أساسيًّا، فهي التي تترجم جهود الرقابة إلى إجراءات قانونية ملموسة. وقد دعا كثير من النشطاء أن يأخذ القضاء كل ما كشفته التقارير الرقابية على مدار السنوات ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء لتحقيق الردع العام وإعادة هيبة القانون.

بصورة عامة، تتكامل جهود هذه الأجهزة – ديوان المحاسبة، الرقابة الإدارية، مكافحة الفساد، والنيابة العامة – في رسم صورة واضحة للفساد وفتح مسارات المحاسبة. لكن نجاحها ظل مرهونًا بتعاون السلطات التنفيذية والتشريعية معها. فعلى سبيل المثال، حين نشر ديوان المحاسبة تقريره القاسي عن حكومة الوحدة 2021، سارع رئيس الحكومة إلى نفي “المغالطات” واتهم التقرير بالتسييس جزئيًا بدل تبني توصياته فورًا. وكذلك لم يقم البرلمان وهيئات إنفاذ القانون بما يكفي من المتابعة لتقارير الرقابة السابقة (2012–2020) ما جعل كثيرًا من المخالفات تمر بلا عقاب. لذا فإن جهود الرقابة رغم أهميتها، تبقى بحاجة إلى إرادة سياسية جادة لتحويل ما ترصده من فساد إلى عملية إصلاح حقيقية ومحاسبة قضائية صارمة.

التوصيات والخطوات المقترحة لمكافحة الفساد

في ضوء ما سبق، يتضح أن مكافحة الفساد في ليبيا تتطلب نهجًا شاملاً ومستدامًا يشمل الإصلاح القانوني والمؤسسي وتعزيز الشفافية والمساءلة. فيما يلي أبرز التوصيات والخطوات المقترحة للتصدي لهذه الظاهرة وضمان عدم تكرارها:

  1. تفعيل المحاسبة القانونية دون استثناء: لا بد من تقوية دور القضاء وضمان استقلاليته التامة في نظر قضايا الفساد. يتعين إنشاء محاكم أو دوائر خاصة بقضايا الفساد تكون سريعة البت، وتوفير الحماية للقضاة والمدعين العامين العاملين على هذه الملفات. كما يجب عدم التسامح أو العفو عن المسؤولين المدانين، بل توقيع عقوبات صارمة لاستعادة هيبة القانون وردع الآخرين. تطبيق مبدأ من أين لك هذا واسترداد الأصول المنهوبة إلى الخزانة العامة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من هذه الجهود.
  2. تعزيز شفافية الإجراءات المالية والإدارية: ينبغي فرض معايير عالية للشفافية في عمل الحكومة. يشمل ذلك نشر الميزانية العامة التفصيلية بشكل دوري ليعلم المواطن أين تُصرف أمواله، ونشر نتائج المناقصات الحكومية والعقود المبرمة للعلن. إن الحوكمة الإلكترونية يمكن أن تقلل من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي تحد من فرص الرشوة؛ فتقديم الخدمات الحكومية عبر الإنترنت (إصدار الوثائق، الدفع الإلكتروني للرسوم، التقديم للوظائف العامة…) يقلل من البيروقراطية والفساد الصغير. كما يُنصَح بالانضمام إلى مبادرات الشفافية الدولية في قطاعات النفط والغاز وإدارة الموارد لضمان إخضاعها للتدقيق الخارجي.
  3. إصلاح هيكلية الوظيفة العامة: على الحكومة إجراء تقييم شامل لقوة العمل الحكومية بهدف التخلص من العمالة الوهمية والفائضة. يمكن تشكيل لجنة وطنية لمراجعة التوظيف في العقد الماضي، وفصل من تثبت عليه حالة ازدواج وظيفي أو دخول بالواسطة دون حاجة فعلية. بالتوازي، لا بد من تفعيل قوانين الخدمة المدنية التي تنص على التعيين والترقية على أساس الجدارة فقط ومنع أي استثناءات غير مبررة. كذلك يجب الاستمرار في ربط صرف المرتبات بمنظومة الرقم الوطني لضمان عدم تكرار ظاهرة المرتبات المزدوجة. ويتطلب الأمر أيضًا تطوير برامج لإعادة تأهيل الموظفين الحاليين ورفع كفاءتهم أو إحالة غير المنتجين إلى التقاعد المبكر بمعاشات مناسبة، حتى يستعيد الجهاز الإداري فاعليته.
  4. تحسين نظم المشتريات والعقود: قطاع المشتريات الحكومية هو بؤرة فساد إن غابت الضوابط. لذا يجب وضع نظام وطني صارم للمناقصات يفرض طرح جميع العقود المتوسطة والكبيرة في منافسة عامة شفافة، مع مراقبة تنفيذ العقود عبر طرف ثالث فني مستقل لضمان جودة التنفيذ. يمنع منعًا باتًا أسلوب التكليف المباشر إلا في حالات الضرورة القصوى وبموافقة جهة رقابية. كما يُفضَّل اعتماد آلية المشتري الرقمي (e-procurement) لنشر كل عطاء وتلقّي العروض إلكترونيًا لمنع المحاباة. ويجب معاقبة أي مسؤول يثبت تدخله لترسية عطاء على جهة دون وجه حق. إضافة لذلك، تفعيل دور ديوان المحاسبة قبل الصرف (الرقابة القبلية) على العقود الكبيرة قد يحد من تمرير الصفقات المشبوهة.
  5. ترسيخ ثقافة النزاهة والوعي المجتمعي: لا ينجح أي جهد ضد الفساد دون دعم الناس أنفسهم. ينبغي إطلاق حملات توعية عبر الإعلام ومنظمات المجتمع المدني حول أضرار الفساد على حياة المواطن اليومية (من تردي مستشفى ابن سينا إلى انقطاع الكهرباء في الصيف). إدراج مفاهيم النزاهة والشفافية في المناهج التعليمية سيساعد في بناء جيل يرفض الرشوة والمحسوبية. كما يجب تشجيع الإبلاغ عن الفساد عبر توفير قنوات آمنة وسرية للمبلغين (كخط ساخن أو منصة إلكترونية) مع سنّ قانون قوي لحماية المبلّغين والشهود من أي انتقام. ومكافأة من يسهم في كشف قضايا كبيرة ستكون حافزًا إضافيًا.
  6. إصلاح المنظومة السياسية وتعزيز الرقابة الشعبية: كثير من أوجه الفساد في ليبيا تغذيها حالة اللااستقرار السياسي وتعدد مراكز القوى. لذا فإن استكمال بناء مؤسسات الدولة الموحدة (سلطة تنفيذية موحدة منبثقة عن انتخابات حرة، وبرلمان موحد يمثل جميع الليبيين) سيمكّن من سنّ تشريعات موحدة وتطبيقها بقوة في كافة أنحاء البلاد. يجب أن يضطلع البرلمان بدوره الرقابي عبر استجواب المسؤولين ومراجعة أداء الأجهزة الرقابية نفسها لضمان قيامها بواجبها. ومن جهة أخرى، تلعب وسائل الإعلام المستقلة دورًا مهمًا في فضح التجاوزات، فيجب دعم حرية الصحافة الاستقصائية وتسهيل حصولها على المعلومات. الرقابة الشعبية عبر منصات التواصل أصبحت أيضًا أداة فعالة – كما رأينا في تداول محتويات تقرير ديوان المحاسبة 2021 الذي أحدث ضجة كبرى – وينبغي على الدولة النظر بإيجابية لهذا الدور وضمان حق الوصول للمعلومات كي يتمكن المواطنون من مساءلة حكومتهم عن علم.
  7. التعاون الدولي واسترداد الأموال المنهوبة: بالنظر إلى ضخامة المبالغ المهربة للخارج خلال سنوات الفوضى، على الحكومة الليبية طلب التعاون من المنظمات الدولية والدول الصديقة لتعقب الأصول المسروقة واستعادتها. ليبيا طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، مما يتيح آليات قانونية لاستعادة الأموال المهربة وتتبّع حسابات المسؤولين في الخارج. كما أن الاستفادة من خبرات الدول التي نجحت في تقليص الفساد (عبر برامج توأمة أو خبراء من الأمم المتحدة) يمكن أن يدعم بناء قدرات وطنية في التدقيق والتحقيق المالي. هذا التعاون مهم أيضًا لسد الثغرات على المنافذ الحدودية والمطارات لمنع استمرار نزيف الأموال عبر التهريب.
  8. تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد 2025–2030: أخيرًا، ينبغي وضع الإستراتيجية الوطنية الجديدة موضع التنفيذ الفعلي وليس الاكتفاء بحبر على ورق. تلك الإستراتيجية – التي أعلن عنها في ديسمبر 2024 – تتضمن خارطة طريق لتعزيز عمل أجهزة الرقابة وتحسين الأداء الحكومي ومواجهة الإنفاق الموازي. إنجاحها يتطلب إرادة سياسية من أعلى المستويات، وتنسيقًا محكمًا بين ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية ومكافحة الفساد والنيابة، ودعمًا فنيًا ولوجستيًا لهذه الجهات. كما يقترح تشكيل لجنة وطنية عليا برئاسة جهة سيادية (مثل المجلس الرئاسي أو رئيس الوزراء) لمتابعة تنفيذ الإستراتيجية وتذليل العقبات أمامها، مع إشراك خبراء محليين ودوليين لضمان تبني أفضل الممارسات. ويفضل إشراك ممثلين عن المجتمع المدني في متابعة تنفيذ الإستراتيجية لضمان الشفافية والمصداقية.

ختامًا، إن معالجة آفة الفساد التي نخرت جسد الدولة الليبية طوال الفترة 2011–2025 هي مهمة شاقة لكنها ليست مستحيلة. التجارب الدولية تثبت أن الإرادة السياسية والإصلاح المؤسسي قادران على صنع الفارق خلال بضع سنوات. ليبيا اليوم بحاجة ماسة إلى توحيد مؤسساتها وتعزيز سيادة القانون وإعلاء مبدأ المساءلة للجميع كخطوة أولى لاستعادة ثقة المواطن. وعندها فقط يمكن توجيه ثروات البلاد الهائلة لتحسين معيشة الشعب بدلًا من أن تتبدد في جيوب قلة قليلة. إن النجاح في مكافحة الفساد سيكون المفتاح لإطلاق عجلة التنمية وبناء دولة حديثة تلبي طموحات الليبيين في الأمن والرخاء، وتضع حدًا لحقبة طويلة من الهدر والضياع. الشفافية والنزاهة يجب أن تصبحا عماد العقد الاجتماعي الجديد في ليبيا، فبدونهما لا استقرار ولا بناء لمستقبل أفضل.

فيما يلي قائمة شاملة بالمصادر والمراجع المستخدمة في إعداد تقرير:
“الفساد في القطاع الحكومي الليبي (2011–2025): تحليل شامل”
وهي منظمة حسب نوع الجهة:

أولًا: تقارير رقابية رسمية ليبية

ديوان المحاسبة الليبي

  • التقارير السنوية للأعوام:
    • 2012، 2013، 2015، 2017، 2021، 2022.
  • تقارير خاصة:
    • تقرير الاعتمادات المستندية (2015).
    • تقرير العقود الحكومية.
    • تقرير الصحة والمستلزمات الطبية.
  • الموقع الرسمي: https://audit.gov.ly

هيئة الرقابة الإدارية

  • تقارير أداء الوزارات والهيئات الحكومية (2020–2023).
  • تقريرها الخاص بأداء حكومة الوحدة الوطنية (2022).
  • نشرات توعوية واستقصائية داخلية.

هيئة مكافحة الفساد

  • تقارير أولية عن إقرارات الذمة المالية لبعض المسؤولين (2015–2019).
  • دليل النزاهة الوظيفية (إن وجد منشورًا).
  • موقع الهيئة (عند توفره أو نشراته المؤرشفة).

ثانيًا: بيانات وأوامر من النيابة العامة الليبية

  • تصريحات المستشار الصديق الصور (النائب العام).
  • أوامر الحبس الصادرة ضد:
    • وزراء (الصحة، التعليم، المالية).
    • مسؤولين في شركة الكهرباء، قطاع النفط، المصارف.
  • الصفحة الرسمية لمكتب النائب العام على فيسبوك:
    https://www.facebook.com/AGO.LY

ثالثًا: قوانين وتشريعات ذات صلة

  • القانون رقم 19 لسنة 2013 بشأن ديوان المحاسبة.
  • القانون رقم 20 لسنة 2013 بشأن هيئة الرقابة الإدارية.
  • القانون رقم 11 لسنة 2014 بشأن مكافحة الفساد.
  • القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل.
  • قرار مجلس الوزراء رقم 286 لسنة 2013 بشأن الرقم الوطني.

رابعًا: تحقيقات ومقالات إعلامية موثوقة

قنوات وصحف عربية:

  • قناة الجزيرة – برنامج ما خفي أعظم (حلقة: فساد الاعتمادات).
  • قناة ليبيا الأحرار – ملفات الفساد الحكومي (2021–2023).
  • قناة 218 – نشرات رقابية ومقابلات خاصة.
  • صحيفة المرصد – ملفات فساد حكومة الدبيبة.
  • صحيفة العربي الجديد – تقارير عن فساد قطاع الكهرباء والصحة.
  • سكاي نيوز عربية، BBC عربي – تغطيات خاصة عن الفساد المالي في ليبيا.

وكالات وصحف دولية:

  • Reuters، The Guardian، France24، DW Arabic
    • تقارير وتحقيقات استقصائية عن العقود، المحاباة، تهريب الأموال.
    • تقارير عن تصدير النفط دون شفافية.
  • تقارير OCCRP (مشروع تتبع الفساد الدولي):
    • تقارير عن الاعتمادات المستندية في ليبيا.
  • تقارير The Sentry – اقتصاد الحرب في ليبيا.
  • موقع Global Witness – إدارة الموارد الطبيعية.

خامسًا: منظمات دولية وتقارير شفافية

  • Transparency International – مؤشر مدركات الفساد 2011–2024.
    https://transparency.org
  • United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC) – تقارير حول تطبيق اتفاقية UNCAC.
  • World Bank – تقارير عن الأداء الإداري والمؤسسي في ليبيا.

سادسًا: منصات مجتمع مدني ليبي

  • Libya Crimes Watch (LCW) – توثيق قضايا فساد وانتهاك المال العام.
  • مركز مدافع لحقوق الإنسان – أوراق سياسات.
  • منظمة الشفافية الليبية – مقالات وشهادات (غير رسمية).
  • صفحات مجتمع مدني على فيسبوك:
    • #فين_الفلوس
    • #ليش_ساكت؟
    • صفحات توثيق مثل “ليبيا فساد”.

سابعًا: اجتماعات وتقارير حكومية منشورة

  • تصريحات رئيس الحكومة (عبدالحميد الدبيبة) حول الفساد (2022–2024).
  • وثيقة إطلاق الخطة الإستراتيجية الوطنية للرقابة ومكافحة الفساد 2025–2030 (ديسمبر 2024).

اكتشاف المزيد من رؤى ليبيا

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading